آخر تحديث :الأحد - 05 يوليو 2026 - 09:17 م

كتابات واقلام


حين يصمت العقل... تتكلم البنادق

الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 08:22 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


ليست البطولة في رفع السلاح، ولا الشجاعة في إطالة أمد الخصومة، وإنما البطولة الحقيقية أن ينتصر الإنسان لعقله قبل غضبه، وللمصلحة العامة قبل نزعات الانتقام. فكل رصاصة تُطلق بين أبناء المجتمع الواحد لا تصنع نصرًا، بل تترك جرحًا جديدًا في جسد المجتمع، وقد تخلّف ثأرًا يمتد أثره إلى أجيال.
ما تشهده بعض مناطق شبوة من اشتباكات مؤسفة بين أبناء الأسرة والقبيلة الواحدة يمثل جرس إنذار ينبغي ألا يُقابل بالصمت أو الانتظار. فحين تتحول الخلافات إلى مواجهات مسلحة، يصبح الجميع خاسرًا، وتغيب لغة الحوار لتحل محلها لغة القوة، التي لا تنتج إلا مزيدًا من الألم والدمار.
إن الدم إذا سُفك لا يعود، والبيوت التي تُفجع بأبنائها لا تعوضها كلمات المواساة، والمجتمع الذي تستنزفه الصراعات الداخلية يضعف أمام كل التحديات. ولهذا، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من أطراف النزاع أنفسهم، وتمر بمشايخ القبائل والوجهاء، ولا تنتهي عند السلطات التي يقع على عاتقها واجب حفظ الأمن وحماية الأرواح وإنفاذ القانون.
إن الحكمة التي عُرفت بها القبائل عبر تاريخها لم تكن في كثرة الحروب، بل في قدرتها على إخماد الفتن قبل اتساعها، وتقديم الصلح على الخصومة، والتنازل من أجل المصلحة العامة. فكم من نزاعات انتهت بكلمة حكيمة، وكم من دماء حُقنت عندما غُلّب العقل على الانفعال.
واليوم، يحتاج الجميع إلى مراجعة صادقة، وإلى قناعة راسخة بأن استمرار المواجهات لن يحقق مكسبًا حقيقيًا لأي طرف، بل سيضاعف الخسائر الإنسانية والاجتماعية، ويترك آثارًا يصعب تجاوزها.
إن شبوة تستحق أن تكون عنوانًا للاستقرار، وأهلها يستحقون أن يعيشوا في أمن وسلام. وما تحتاجه هذه اللحظة ليس مزيدًا من التصعيد، بل مبادرات جادة للتهدئة، ووقف إطلاق النار، والجلوس إلى طاولة الحوار، وإفساح المجال أمام جهود الصلح والإصلاح.
فحقن الدماء ليس موقفًا من الضعف، بل هو قمة القوة والحكمة. والصلح ليس هزيمة، بل انتصار للقيم، وللدين، وللمستقبل.
ويبقى الأمل معقودًا على أن ينتصر صوت العقل قبل أن تتسع دائرة الألم، وأن يدرك الجميع أن أعظم انتصار هو أن يعود كل بيت آمنًا، وكل أم مطمئنة، وكل طفل بعيدًا عن صوت الرصاص.
فالفتنة إذا اشتعلت لا تفرق بين غالب ومغلوب، أما السلام فيحفظ الجميع.

وفي الختام لم يعد السؤال: من المخطئ ومن المصيب؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيظل الدم يُراق؟ وهل ما يحدث ثأرٌ تُغذيه الأحقاد، أم صراعٌ سياسي تُدفع فاتورته من أرواح الأبرياء؟ أياً كانت الحقيقة، فلا قضية تستحق أن تُزهق بسببها الأنفس، ولا خلاف يبرر أن تتحول البنادق إلى لغة للحوار. إن أعظم انتصار اليوم ليس في غلبة طرف على آخر، وإنما في أن ينتصر العقل على الغضب، والصلح على الفتنة، والحياة على الموت.