آخر تحديث :الأحد - 05 يوليو 2026 - 10:20 م

كتابات واقلام


ليست المشكلة في الرأي... بل في قلة الاحترام

الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 09:41 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


من حق أي إنسان أن يقول ما يشاء، وأن ينتقد من يشاء، وأن يختلف مع الجميع. فالرأي لا يُصادر، والاختلاف سنة الحياة. لكن حين يتحول الرأي إلى استفزاز، والحرية إلى وقاحة، والنقد إلى احتقار للناس ومشاعرهم، فهنا لا يعود الحديث عن حرية، بل عن إساءة مغلفة بشعار جميل.

عدن ليست مدينة مغلقة على أحد، ولم تكن يومًا تسأل القادم إليها عن أصله أو لهجته أو منطقته. احتضنت الجميع حين ضاقت بهم المدن، وفتحت أبوابها لمن أغلقت في وجهه الأبواب. وهذه حقيقة يعرفها كل من عاش تفاصيل السنوات الماضية.
لكن الكرم لا يعني أن يتحول صاحب الدار إلى هدف للسخرية، ولا أن يصبح التسامح دعوة مفتوحة لمن يريد اختبار صبر الناس واستفزازهم. فالاحترام هو الحد الأدنى الذي ينبغي ألا يسقط مهما بلغت الخلافات.

المؤلم أن بعض الأصوات لا تكتفي بالاختلاف، بل تبني حضورها على الاستفزاز، وكأنها تبحث عن ضجيج يصنع لها بطولة وهمية. تتحدث من أرض وفرّت لها الأمان، ثم تمعن في الإساءة إلى أهلها، وكأنها تقدم لهم جميلًا لا يُرد.

ومن المفارقات أن أكثر من يرفعون أصواتهم اليوم لم يدفعوا ثمن الكلمات التي ينطقون بها. هناك من قدّم الدم، وهناك من قدّم العمر، وهناك من فقد كل شيء، ثم يأتي آخرون ليتحدثوا عن الكرامة وكأنها سلعة مجانية، أو درس يلقنونه لمن دفع ثمنها غاليًا.
لسنا دعاة إقصاء، ولا نخاصم الناس على هوياتهم، ولا نحاكم أحدًا بسبب انتمائه. لكننا نرفض أن تُستغل مساحة الحرية للإساءة إلى مدينة احتملت فوق طاقتها، وإلى مجتمع ما زال يدفع كلفة الحروب والأزمات.

ومن يظن أن الاستفزاز شجاعة، فهو لا يعرف الفرق بين الجرأة وسوء الأدب. فالكلمات قد تشعل ما تعجز البنادق عن إشعاله، والعاقل هو من يعرف متى يتحدث، وكيف يتحدث، وأين يقف احترامه للآخرين.

المشكلة الحقيقية ليست في بضعة منشورات أو تصريحات عابرة، بل في مناخ سياسي وإعلامي سمح للبعض أن يعتقد أن الاستفزاز بطولة، وأن الإساءة حرية، وأن التطاول رأي. وهذا هو الخلل الذي ينبغي أن يُعالج قبل أن تتسع الفجوة بين الناس.
ستظل عدن أكبر من المهاترات، وأوسع من الأصوات العابرة، وأبقى من كل خطاب يقوم على الاستفزاز. فمن أرادها بيتًا فله فيها كل التقدير، ومن أرادها منصة للإهانة، فلا يلومن إلا نفسه إذا وجد أن احترام الناس لا يُمنح لمن لا يحترمهم.