آخر تحديث :الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - 12:05 م

كتابات واقلام


أمنهم القومي... برخص دماء الجنوبيين

الإثنين - 20 يوليو 2026 - الساعة 11:10 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


كلما اشتد التوتر بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) والمملكة العربية السعودية، عاد المشهد ذاته إلى الواجهة: حديث عن تجهيز قوات جنوبية، وتحريك ألوية، وتهيئة جبهة جديدة، وكأن الجنوب هو المخزن الاحتياطي لكل معركة لا ترغب الرياض في خوضها مباشرة.

اليوم يهدد الحوثيون باستهداف حركة الملاحة الجوية والبحرية في عموم الأراضي السعودية، وهو تهديد موجَّه إلى المملكة، ويأتي في سياق صراع قائم بينها وبين الجماعة. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ما علاقة الجنوب بهذه المواجهة؟
ولماذا يُراد للجندي الجنوبي أن يكون أول من يدفع الثمن في حرب ليست حربه، بينما تبقى الأطراف المعنية بالصراع تبحث عن من يقاتل عنها؟

إذا كانت المعركة معركة المملكة، فمن الطبيعي أن تعتمد على قدراتها العسكرية، أو على القوات التابعة للدولة اليمنية التي تقول إنها تمثل جميع اليمنيين، لا أن تُحمِّل الجنوب وحده عبء المواجهة، ثم تطلب منه أن يقدم المزيد من الدماء دون أي مقابل سياسي أو وطني.

الأمر الأكثر إثارة للاستغراب أن المملكة، التي تطلب من الجنوبيين باستمرار خوض المعارك دفاعًا عن مصالحها أو عن مشروع "الشرعية"، لم تقدم حتى اليوم أي موقف واضح يحترم حق شعب الجنوب في تقرير مصيره، ولم تمنحه أي ضمانات سياسية تتناسب مع حجم التضحيات التي قدمها طوال السنوات الماضية.
فكيف يُطلب من شعب أن يضحي بمستقبله من أجل مشروع لا يعترف أصلًا بحقوقه؟

ثم أين القوات المحسوبة على الشرعية في المحافظات المحررة؟ ولماذا لا تكون هي القوة الأساسية في أي مواجهة تهدف إلى استعادة المحافظات الشمالية من قبضة الحوثيين؟ وإذا كانت تلك القوات تؤمن فعلًا بوحدة اليمن واستعادة الدولة، فأولى بها أن تخوض معركتها بنفسها، لا أن تبحث عن بديل جنوبي يدفع الفاتورة نيابة عنها.

إن تحويل القوات الجنوبية إلى قوة تُستدعى كلما تعرضت المملكة لضغط عسكري، ثم تُعاد إلى مواقعها بمجرد انتهاء الحاجة إليها، يمثل مقاربة تفتقر إلى العدالة والشراكة، وتُنتج مزيدًا من الشكوك حول طبيعة الأهداف الحقيقية التي يُراد للجنوب أن يخدمها.
القضية الجنوبية ليست بندًا مؤجلًا يمكن تجاوزه كلما دعت الحاجة إلى المقاتل الجنوبي. إنها قضية شعب يسعى إلى استعادة حقوقه، ومن غير المنطقي أن يُطلب منه تقديم المزيد من التضحيات بينما تُترك قضيته معلقة، أو يُطلب منه أن يقاتل دفاعًا عن مشاريع الآخرين قبل أن يحصل على الحد الأدنى من الاعتراف بحقوقه.
ولهذا، فإن السؤال الذي ما زال بلا إجابة هو:
إذا كانت المملكة ترى في الجنوبيين حلفاء يعتمد عليهم في أصعب المعارك، فلماذا لا تعامل قضيتهم بالحليف نفسه، فتقر بحقهم في تقرير مصيرهم، بدلًا من الاكتفاء بطلب الدم كلما اشتدت الأخطار؟
فالتضحيات ليست خدمة مجانية، والدماء ليست عملة تُدفع عند الطلب، والشعوب لا تُقاتل إلى الأبد في حروب الآخرين دون أن تعرف إلى أين يقودها هذا الطريق.