آخر تحديث :الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - 07:39 م

كتابات واقلام


التحليل السياسي بين منطق الواقع وأوهام الأمنيات

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 04:58 م

صلاح الصلاحي
بقلم: صلاح الصلاحي - ارشيف الكاتب


يُعدّ التحليل السياسي والجيوسياسي الاستراتيجي أداةً لفهم الواقع، وليس وسيلةً لتبرير القناعات أو تكييف الوقائع بما يتوافق مع الميول الشخصية. فهو يقوم على تفكيك الأحداث، وتحليل العلاقات الدولية، وقراءة توازنات القوى، وفهم المصالح المتشابكة التي تحرك الفاعلين على المستويين الإقليمي والدولي، بهدف الكشف عن الأسباب العميقة للأحداث، واستشراف التحولات المحتملة، ورسم السيناريوهات المستقبلية التي تُبنى عليها القرارات السياسية والاستراتيجية.
غير أن هذا النوع من التحليل يفقد قيمته العلمية متى ما خضع للعاطفة أو للأمنيات. فالمحلل الحقيقي لا يقرأ الواقع كما يتمنى أن يكون، بل كما هو بالفعل، مستندًا إلى الوقائع والأدلة والقرائن. أما الانطلاق من الرغبات المسبقة، ثم البحث عما يؤيدها، فهو أحد أكثر الأخطاء شيوعًا، ويقود إلى ما يعرف في علم النفس المعرفي بـ"الانحياز التأكيدي"، حيث يتم التركيز على المعلومات التي تدعم الرأي المسبق، مع إهمال أو تجاهل الحقائق التي تناقضه.
وتتجاوز آثار هذا الانحياز حدود الخطأ النظري، لتنعكس على عملية اتخاذ القرار نفسها. فالتحليل القائم على الأمنيات يؤدي إلى بناء تقديرات خاطئة، ومن ثم اتخاذ قرارات غير سليمة، كما يخلق حالة من العمى الفكري تجاه المتغيرات الحقيقية، ويجعل أصحاب هذا النهج عرضة للصدمة وخيبة الأمل كلما جاءت الوقائع مخالفة لتوقعاتهم. ومع تكرار الإخفاقات، تتراجع القدرة على فهم الأزمات ومعالجتها، وتتآكل الثقة بالتحليل وبصاحبه.
إن الموضوعية لا تعني التخلي عن المبادئ أو المواقف، وإنما تعني الفصل بين القناعات الشخصية والقراءة العلمية للواقع. فالسياسة لا تُدار بالرغبات، والصراعات لا تحسمها الأمنيات، وإنما تحكمها موازين القوى، والمصالح، والقدرة على قراءة المتغيرات بوعي وتجرد.
اخيرا في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، يصبح التحليل الرصين ضرورة لا ترفًا فكريًا. فكلما كان التحليل قائمًا على الحقائق، ومتحررًا من الانفعالات والانحيازات، كان أكثر قدرة على استشراف المستقبل، وتقديم رؤية تساعد صناع القرار والرأي العام على فهم ما يجري واتخاذ مواقف أكثر اتزانًا. أما الاكتفاء بتحليل الواقع وفق ما نحب أن يكون، فلن يغيّر مجرى الأحداث، بل سيجعلنا عاجزين عن فهمها والاستعداد لنتائجها.