آخر تحديث :الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - 06:01 م

كتابات واقلام


"حين يحْرِسُ البحرَ الجبل"

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 05:21 م

حسين عبدالله بن عطاف
بقلم: حسين عبدالله بن عطاف - ارشيف الكاتب


حيث تنتهي السهول وتبدأ الجبال وحيث يمد البحر الأزرق ذراعيه إلى أطراف الأرض تقف "قبائل الصبيحة" على تخوم الجنوب كأنها موعد قديم بين البحر والجبل وكأن هذه الأرض اختارت رجالها منذ زمن بعيد ليكونوا حراس بوابتها الغربية.

هناك في #كهبوب و#ذوباب وعلى امتداد الساحل الغربي وتخوم باب المندب تقف القوات الجنوبية في وجه عاصفة ثقيلة وتحمل على عاتقها عبء الجبهة فيما تبدو المدن من بعيد هادئة كأن شيئًا لا يحدث خلف ذلك الأفق ، لكن خلف هدوء المدن حكاية أخرى.

حكاية رجال تركوا دفء البيوت ومضوا إلى حيث لا ظل إلا ظل الجبل ولا أنيس إلا هدير البحر ولا وسادة إلا تراب الأرض ، رجال يعرفون أن الجبهة ليست مكانًا بعيدًا عن الوطن بل هي الوطن حين يحتاج إلى من يحرسه ، خلفهم #الجنوب بكل ما فيه من بيوت وأهل وذكريات وأطفال ينتظرون صباحًا لا توقظه أصوات الحرب وأمامهم طريق طويل لا يعرفون إلى أين تمضي نهايته لكنهم يعرفون تمامًا لماذا يقفون ، وفي قلب هذا المشهد تقف #الصبيحة : قبيلة البحر والجبل والرمل الممتد على الساحل ، أخذت من البحر مرونته ، ومن الجبل صلابته ، ومن الرمل صبره ومن الطريق الطويل قدرة الرجال على احتمال ثقل كل تلك الدماء.

الصبيحة ليست مجرد اسم على خارطة المكان ، إنها ذاكرة جغرافية ممتدة حول عدن وحضور بشري ينهض كلما اقترب الخطر من بوابتها الغربية ، وفي رجالها شيء من البحر حين يهدأ وشيء من الموج حين يشتد وشيء من الجبل حين يرفض أن ينحني ، ولهذا للحضور الصبيحي إلى جانب القوات الجنوبية حافز صد اول لا يقبل الانكسار ، وذروة احتفال نصر تلوح في أفق المكان ، المسألة لا تحتاج الى كثير من الكلام ، فالمواقف عبر التاريخ صنعت هوية صبيحية من البحر الى الجبل لحماية ذاكرة وطن وجنوب لن ينكسر مهما كانت عواصف الدهر ثقيلة عليهم.

هناك فوق الجبال وعلى تخوم الساحل يصبح للصمت معنى آخر ، لا أحد يبحث عن الكلمات الكبيرة ولا أحد يسأل عن التصفيق ، يكفي أن يعرف الرجل أن خلفه بيتًا ينتظر وأن وراء البحر مدينة وأن بينه وبينها مسافة يجب أن تبقى آمنة ، قد تمر الأخبار سريعًا في #الحوطة و #كريتر و #البريقة ... وقد تنشغل المدن بأيامها وأسواقها وأضوائها فلا ترى من المشهد إلا خبرًا عابرًا ، لكن هناك بعيدًا عن ضجيج المدن تستيقظ الجبال على وقع الخطوات ويظل البحر يرسل موجاته القديمة إلى الشاطئ وكأن شيئًا في هذا المكان لا يريد أن ينسى.

الأرض لا تنسى من وقف عليها ، والجبال لا تنسى من احتمى بصخرها ، والبحر لا ينسى الرجال الذين عاشوا على شاطئه وعرفوا مدّه وجزره وعرفوا أن بعض الأيام لا تحتاج إلى من يراقبها من بعيد بل إلى من يقف في قلبها ، سيأتي يومًا تهدأ فيه العاصفة وتعود المدن إلى ضجيجها الجميل وتعود الطرق إلى حركتها وتبقى هذه الجبال واقفة كما كانت ويبقى البحر كما كان ازرقًا ، عندها ستنظر الأجيال إلى هذا الصمود الأبدي ، وعنفوان البسالة الصبيحية الجنوبية ، وربما لا تعرف أسماء كل الذين وقفوا هناك لكنها ستعرف أن رجالًا كانوا في ذاكرة المكان ، وان قبائل الصبيحة الطوق الاول ، ليست مجرد جغرافيا تحيط المدينة ، بل سورًا يحمي المدينة ، وحين يسأل التاريخ يومًا من وقف على تخوم #الجنوب حين اشتدت العاصفة ستكون الإجابة مختصرة كهدير البحر "كانت هنا القوات الجنوبية ، وكانت ايضا قبائل الصبيحة ، وكان الجبل حارسًا للبحر بشهادة الموج وطمأنينة عدن العتيقة.