آخر تحديث :الأربعاء - 29 يوليو 2026 - 12:41 ص

كتابات واقلام


مسرحية المشهد السياسي وإعادة تشكيل الأزمة

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 12:36 ص

طاهر بازياد
بقلم: طاهر بازياد - ارشيف الكاتب


منذ اندلاع الأزمة في الوطن، دخلت البلاد مرحلة معقدة من التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية، تشابكت فيها المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، حتى أصبح المشهد العام أقرب إلى مسرحية سياسية تتغير فيها الشخصيات والعناوين، بينما تبقى الأزمة ذاتها دون حلول جذرية فقد تعاقبت المبادرات وتعددت الحوارات، وتكررت اللقاءات والاتفاقات، إلا أن الواقع المعيشي والخدمي والسياسي ظل يشهد مزيدًا من التراجع، الأمر الذي عزز شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن العملية السياسية أصبحت تدور في دائرة مغلقة.


إن توصيف المشهد بـ"المسرحية السياسية" لا يهدف إلى التقليل من أهمية الجهود المبذولة لإيجاد حلول، وإنما يعكس حالة الجمود التي جعلت كثيرًا من التطورات تبدو وكأنها إعادة إنتاج للأزمة بصور مختلفة، دون معالجة الأسباب العميقة التي قادت إليها

المشهد السياسي أزمة تتجدد بأدوات مختلفة.

يعاني المشهد السياسي من حالة استقطاب وانقسام حاد، حيث تتنافس قوى متعددة على النفوذ والشرعية والتمثيل، في ظل غياب مشروع سياسي جامع يحظى بتوافق واسع وقد انعكس ذلك على أداء المؤسسات، التي أصبحت في كثير من الأحيان عاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية أو تنفيذ إصلاحات حقيقية كما أن كثرة المبادرات والمكونات والحوارات وغيرها من مسرحيات السياسة، رغم انها اصبحت مكشوفة، و لم تحقق النتائج المرجوة بسبب استمرار الخلافات بين الأطراف، وتباين الأولويات، وارتباط بعض الملفات بحسابات إقليمية تتجاوز الإطار الوطني وأصبحت البيانات السياسية والاجتماعات الدبلوماسية تتكرر بوتيرة متسارعة، بينما يظل تنفيذ مخرجاتها محدودًا، الأمر الذي يكرس فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع، ومن أبرز مظاهر الأزمة السياسية أيضًا استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل مؤسسات الدولة، وتأخر استكمال الإصلاحات التي وعدت به بعض الدول الإقليمة جميع الأطراف وضعف الثقة المتبادلة بين مختلف القوى، وهو ما يجعل أي تقدم سياسي عرضة للتعثر عند أول اختبار

الاقتصاد الضحية الأولى للصراع.

كان الاقتصاد من أكثر القطاعات تضررًا نتيجة استمرار الأزمة والصراع والحرب واللاحرب فقد أدى الانقسام السياسي إلى إضعاف المؤسسات الاقتصادية، وتعطيل الاستثمارات، وتراجع الإيرادات العامة، وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين.


وتتجلى آثار الأزمة الاقتصادية في ارتفاع الأسعار، وتذبذب أسعار صرف العملة، وضعف الخدمات الأساسية، وازدياد معدلات البطالة والفقر، الأمر الذي جعل المواطن يواجه تحديات يومية تتعلق بتأمين أبسط متطلبات الحياة دون التفكير في الكماليات والرفاهية كما أن غياب الاستقرار السياسي انعكس سلبًا على ثقة المستثمرين، وأدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى بيئة مستقرة تسمح بإعادة الإعمار وتحريك عجلة التنمية.


حيث أصبحت الإصلاحات الاقتصادية تُطرح في كثير من الأحيان كإجراءات فنية، بينما ترتبط في الواقع ببيئة سياسية معقدة، تجعل تنفيذها الكامل أمرًا بالغ الصعوبة.

التدخلات الإقليمية بين دعم الاستقرار وتضارب المصالح.

لا يمكن فهم المشهد السياسي بمعزل عن البيئة الإقليمية، إذ أصبحت الأزمة جزءًا من شبكة واسعة من التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة
وقد أسهمت التدخلات الإقليمية، بدرجات وأشكال مختلفة، في التأثير على مسار الأحداث سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الدبلوماسي وبينما تؤكد هذه الأطراف أن تدخلاتها تهدف إلى دعم الاستقرار أو حماية مصالحها الأمنية، فإن اختلاف أولوياتها وتباين رؤيتها للحل أدى في كثير من الأحيان إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة التي تزداد تعقيدًا، كما أن تعدد مراكز التأثير الخارجي انعكس على القوى المحلية التي أصبحت تواجه ضغوطًا متباينة، وهو ما أضعف فرص الوصول إلى موقف وطني موحد قادر على إدارة المرحلة الانتقالية بصورة أكثر فاعلية ولا شك أن أي تسوية سياسية او حوار اقليمي مستدام يحتاج إلى توافق داخلي حقيقي، بالتوازي مع بيئة إقليمية داعمة للحلول، بعيدًا عن منطق التنافس والصراع على النفوذ.

المكونات السياسية الجديدة بين الطموح والواقع

شهدت الأشهر الأخيرة ظهور عدد من المكونات والتحالفات السياسية التي أعلنت أنها تسعى إلى الإسهام في معالجة الأزمة وتمثيل شرائح مختلفة من المجتمع غير أن أداء بعض هذه المكونات تعرض لانتقادات من قبل مراقبين وقوى سياسية، الذين يرون أنها لم تتمكن من تقديم برامج عملية تعالج التحديات القائمة، أو أنها انشغلت بصراعات سياسية وإعلامية أكثر من انشغالها ببناء توافقات وطنية ، كما يرى منتقدوها أن تعدد الكيانات السياسية في غياب رؤية مشتركة أسهم في زيادة التشتت وإرباك المشهد وأوجد حالة من ازدواجية التمثيل، وهو ما انعكس على فعالية العملية السياسية بصورة عامة، وفي المقابل يرى آخرون أن التنوع السياسي يمكن أن يكون عاملًا إيجابيًا إذا ارتبط ببرامج واضحة، ومؤسسات فاعلة، والتزام بالحوار والعمل المشترك.


المواطن الغائب الأكبر عن المشهد

رغم أن جميع الأطراف تؤكد أن المواطن يمثل محور العملية السياسية فإن الواقع يشير إلى أن معاناته اليومية ما تزال مستمرة فالأولوية بالنسبة للمواطن لم تعد تتمثل في الخلافات السياسية بل في الحصول على الخدمات الأساسية واستقرار العملة وتحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة وسيادة القانون وقد أدى طول أمد الأزمة إلى تراجع الثقة الشعبية في قدرة القوى السياسية على إحداث تغيير حقيقي، الأمر الذي يجعل استعادة هذه الثقة أحد أهم التحديات أمام أي مشروع وطني مستقبلي، لذلك إن استمرار المشهد السياسي والاقتصادي على النحو الراهن ينذر بمزيد من التعقيد، ويؤكد أن الحلول الجزئية عبر الحوارات الوهمية لم تعد كافية لمواجهة التحديات والمخاطر المتراكمة فالوطن بحاجة إلى عملية سياسية شاملة تقوم على استعادة الدولة والتوافق، وتعالج جذور الأزمة والحرب بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها كما أن نجاح أي تسوية يتطلب تعزيز دور المؤسسات، وتحقيق إصلاحات اقتصادية حقيقية واحترام مبدأ الشراكة السياسية وتوفير بيئة إقليمية داعمة للاستقرار بما يتيح الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة بناء الدولة والتنمية المستدامة.


وفي النهاية يبقى مستقبل البلاد مرهونًا بقدرة القوى السياسية على تغليب المصلحة الوطنية، وإدراك أن الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا من خلال عمل حقيقي وصادق وعزيمًة قوية، وحوار مسؤول، ورؤية وطنية تستوعب التنوع وتؤسس لسلام عادل ومستدام يخدم جميع المواطنين.