آخر تحديث :الأربعاء - 29 يوليو 2026 - 11:28 م

كتابات واقلام


الحوثيون.. من كذبة الحصار إلى ارتهان القرار

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 11:00 م

أحمد صدقي اليماني
بقلم: أحمد صدقي اليماني - ارشيف الكاتب


عندما أعلنت جماعة أنصار الله الحوثية دخولها على خط المواجهة تحت شعار نصرة غزة، حاولت أن تقدم نفسها باعتبارها الطرف اليمني الذي يحمل القضية الفلسطينية على عاتقه. وربما وجد هذا الخطاب في بدايته صدى لدى كثيرين، لأن فلسطين قضية حق مشروع، ولأن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل ودمار ومأساة إنسانية لا يمكن لأي صاحب ضمير أن يتجاهله.

لكن مع استمرار التصعيد واتساع نطاقه، بدأت تتضح أبعاد أخرى للمشهد، وأصبح من الضروري النظر إلى التحركات الحوثية بعيدًا عن الشعارات، وقياسها من خلال نتائجها وانعكاساتها على اليمن.

فهل تُستخدم فلسطين ذريعةً لمشروع سياسي وعسكري يخدم حسابات إيران، ويُدفع باليمن إلى مواجهات أكبر كلما احتاجت طهران إلى أوراق ضغط جديدة في صراعاتها الإقليمية؟

هذه ليست مسألة شعارات، وإنما مسألة أفعال ونتائج. فاليمن الذي أنهكته الحرب والانقسام والفقر لا يحتمل أن يتحول إلى ساحة إضافية في صراع المحاور الإقليمية. والبحر الأحمر وباب المندب ليسا ملكًا لجماعة أو حزب أو محور، بل جزء من الجغرافيا والسيادة والمصالح الاستراتيجية لليمن.

والأخطر أن جماعة الحوثي تقدم نفسها باعتبارها صاحبة قرار مستقل، بينما يصعب على المتابع تجاهل حجم التقاطع بين خطابها وتحركاتها وبين المشروع الإيراني في المنطقة. ومع كل تصعيد جديد، تتسع المخاوف من أن تكون حسابات المحور الإقليمي حاضرة بقوة في تحديد مسار المواجهة، على حساب الأولويات الوطنية اليمنية.

وفي ظل هذا الواقع، يجد اليمن نفسه معرضًا لمواجهات أكبر من قدرته على الاحتمال، بينما تبقى الكلفة السياسية والاقتصادية والإنسانية واقعة على المواطن اليمني قبل غيره.

وإذا كانت الجماعة تقدم تحركاتها باعتبارها معركة فلسطينية خالصة، فإن نتائجها على اليمن لا يمكن تجاهلها. فالبحر الأحمر تحول إلى ساحة توتر، واليمن أصبح أكثر ارتباطًا بتداعيات صراع إقليمي ودولي واسع، في وقت لا يزال فيه المواطن اليمني يكافح من أجل أبسط مقومات الحياة.

أما الأوضاع الإنسانية والمعيشية في مناطق سيطرة الحوثيين، فلا يمكن اختزالها في كلمة «الحصار» وحدها. فالجماعة التي تسيطر على الأرض تتحمل، إلى جانب مسؤولية الأطراف الداعمة لها، مسؤولية مباشرة عن حياة الناس وأمنهم واقتصادهم وخدماتهم.

ومن غير المقبول سياسيًا وأخلاقيًا أن تتحول معاناة اليمنيين إلى ورقة لتبرير استمرار الحرب، ثم يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن قرارات لم يشارك في اتخاذها.

اليمنيون لا يريدون أن يكونوا وقودًا لحروب الآخرين.

فلسطين قضية عادلة، لكن عدالة القضية الفلسطينية لا تمنح أي جماعة الحق في مصادرة القرار اليمني أو استخدام اليمن كمنصة لصراع إقليمي. ونصرة فلسطين لا تعني تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة للمواجهة، كما أن رفع شعار المقاومة لا يعفي أي سلطة من مسؤوليتها تجاه شعبها.

المشكلة ليست في التعاطف مع غزة، وإنما في توظيف القضية الفلسطينية لتغطية خيارات سياسية وعسكرية قد تتجاوز المصلحة اليمنية. فالقضية الفلسطينية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لمشاريع إقليمية، ولا إلى وسيلة لإبقاء اليمن داخل دائرة التصعيد المفتوح.

وهنا تكمن المفارقة: جماعة تتحدث باستمرار عن السيادة والاستقلال، بينما يزداد ارتباطها بمحور إقليمي عابر للحدود؛ جماعة ترفع شعار الدفاع عن اليمن، بينما تُبقي اليمن في دائرة التصعيد؛ وجماعة تتحدث عن مواجهة الخارج، بينما يعيش المواطن في الداخل أزمات متراكمة لا تجد طريقها إلى الحل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لليمن هو أن يتحول من دولة لها مصالحها وقرارها الوطني إلى مجرد ورقة في صراع إقليمي. فاليمن ليس محافظة إيرانية، وباب المندب ليس ورقة تفاوض بيد طهران، والقرار اليمني لا ينبغي أن يُصاغ في عواصم أخرى.

ومن هنا، فإن جوهر القضية لا يتعلق برفع شعار فلسطين أو إنكاره، وإنما بحق اليمنيين في امتلاك قرارهم الوطني، وتحديد أولوياتهم بعيدًا عن حسابات المحاور. فاليمن الذي أنهكته الحرب يسعى إلى استعادة دولته ومؤسساته واقتصاده، لا إلى الدخول في مواجهات جديدة تزيد أزماته تعقيدًا.

وسيأتي وقت ينظر فيه اليمنيون إلى سنوات التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب لا باعتبارها مجرد فصل من فصول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما باعتبارها جزءًا من معركة إقليمية أكبر، وجد فيها الحوثيون أنفسهم في موقع يخدم قاصدًا مصالح إيران وأجندتها الإقليمية.

وفي النهاية، لا يحتاج اليمن إلى جماعة تحتكر الوطنية، ولا إلى سلطة تجعل من فلسطين غطاءً لقراراتها، ولا إلى محور إقليمي يحدد له متى يصعّد ومتى يهدأ.

اليمن يحتاج دولة.

دولة تمتلك قرارها، وتحمي سيادتها، وتضع حياة مواطنيها فوق حسابات المحاور، وتتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عادلة، دون أن تجعل من اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

فغزة تستحق السلام والحرية، وفلسطين تستحق العدالة، واليمن كذلك يستحق أن يعيش بعيدًا عن الحروب التي لا تنتهي، وعن الكهنوت الذي يصادر قراره، وعن المشاريع الخارجية التي تريد أن تجعل من أرضه ورقة في صراع الآخرين.