آخر تحديث :الإثنين - 17 أغسطس 2026 - 11:59 ص

كتابات واقلام


المعلّم محبوب علي.. من تفجير القنبلة إلى حقل الألغام

الإثنين - 17 أغسطس 2026 - الساعة 11:51 ص

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


أخونا محبوب علي اختار التوقيت بدقة، وأدار المشهد كما لو أنه يعرف تمامًا أين يضع القنبلة، ومتى يفجرها، وأين يريد لصداها أن يصل.
وفعلها بالفعل.

تسجيل صوتي واحد خرج من هاتفه، فانتشر كالنار في الهشيم، ووصل صداه إلى أروقة مجلس الوزراء، وأعاد قضية الرجل إلى واجهة المشهد بعد سنوات طويلة من الصمت والانتظار.
وهنا لا بد أن نقولها بوضوح:
كانت ضربة معلم.
فالقضية تحركت، والرسالة وصلت، والمطلب الذي ظل معلقًا سنوات بدأ يجد طريقه إلى الحل.
لكن يبدو أن القنبلة، بعد أن وصلت إلى هدفها، أحدثت شظايا لم يكن أحد يتوقعها.
فما إن وصل صدى التسجيل إلى حيث أراد صاحبه، حتى خرج إلينا تسجيل آخر، لا ليتحدث عن سنوات الحرمان، ولا ليشكر الذين وقفوا إلى جانبه، وإنما ليشرح لنا خطورة «التسريب»، ويعاتب من تعاطفوا معه، ويضع التضامن الذي أحاط بقضيته في خانة «الحملات».

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
الرجل الذي أراد أن يصل صوته إلى مجلس الوزراء، لا يريد أن يصل التسجيل إلى الناس!
والرجل الذي استفاد من صدى الرسالة، أصبح مستغربًا من صداها!
والذين حملوا قضيته إلى الناس، أصبحوا فجأة متهمين لأنهم حملوها!
يا لها من مفارقة!
نحن لا نعرف بالضبط ماذا دار في الغرف المغلقة، ولا نريد أن نبني اتهامات على الظنون.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا: أن القضية تحركت بعد أن أصبحت علنية، وأن التعاطف المهني والإنساني معها كان واسعًا، وأن الزملاء الذين وقفوا إلى جانب محبوب لم يكونوا هم من أوقف راتبه، ولم يكونوا هم من ترك قضيته معلقة طوال هذه السنوات.
ومع ذلك، وجد بعضهم أنفسهم في التسجيل الأخير موضع لوم وتجريح، بينما نال آخرون، ممن كان لهم حضور في مسار القضية، نصيبًا وافرًا من الثناء.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل كان المطلوب أن تصل الرسالة إلى مجلس الوزراء، لكن ألا تصل إلى الزملاء؟
وهل كان مطلوبًا من الصحفيين أن يرفعوا أصواتهم عندما كان الرجل بحاجة إلى من يرفع صوته، ثم يخفضوها عندما وصلت الرسالة إلى حيث ينبغي؟
أما حكاية التسجيل الذي «تسرّب»، فهي وحدها تستحق فصلًا مستقلًا.
يا محبوب، أنت رجل صحافة، وتعرف أن التسجيل الذي يُرسل إلى شخص بهدف إيصال رسالة ليس بالضرورة أن يظل إلى الأبد في جيب صاحبه.
وإذا كنت تعرف لمن أرسلت التسجيل، فأنت تعرف أيضًا لماذا أرسلته.
لذلك لا تحمل الزملاء وزر تسجيلٍ خرج من عندك، ولا تجعل من تضامنهم ضحية جانبية لنجاح الرسالة.
لقد قلت لنا، بصورة أو بأخرى: شكرًا لمن وقف معي.
ثم شرحت لنا بعد ذلك لماذا لا ينبغي لهم أن يقفوا معك!
وهنا فقط تصبح كلمة «شكرًا» بحاجة إلى قاموس جديد.
لقد شكرهم اللسان، ثم عاتبهم بقية التسجيل!
أما «الحملات» التي تحدثت عنها، فإن كانت تلك المنشورات والمناشدات والمواقف التي طالبت بإنصافك هي الحملات التي تقصدها، فنحن نعترف بالتهمة كاملة:
نعم، كانت حملة... لكنها لم تكن عليك، بل من أجلك.
ولعل أجمل ما في المشهد أن محبوب علي، الصحفي المخضرم، أثبت لنا أنه ما زال قادرًا على إدارة معركة إعلامية من الطراز الرفيع.
فجر التسجيل الأول.
وصلت الرسالة.
تحركت القضية.
ثم خرج التسجيل الثاني لتفكيك الألغام التي زرعها الأول.
ضربة معلم... ثم خروج من حقل الألغام.
لكن المشكلة الوحيدة أن الطريق إلى بر الأمان مرّ فوق أكتاف الزملاء الذين كانوا أول من وقف معه.
وهنا، يا محبوب، اسمح لنا بابتسامة عتاب:
نجوت من حقل الألغام، نعم... لكن لماذا كان علينا نحن أن نكون جسور العبور؟
لقد فرحنا لأن مستحقاتك عادت.
وهذا هو المكسب الحقيقي.
أما ما عدا ذلك، فسنضعه في خانة «تكتيكات المعركة»، ونقول إن الصحفي القديم لم يفقد مهاراته في المناورة.
لكننا، نحن زملاء المهنة، كنا نتمنى أن تنتهي المعركة بفرحتين:
أن يعود حق محبوب علي...
وأن يبقى ود محبوب علي مع زملائه.
أما أن يعود الحق ويضيع الخاطر، فهذه ضربة معلم فعلًا... لكن فيها شوية شظايا!