آخر تحديث :الإثنين - 17 أغسطس 2026 - 03:41 م

كتابات واقلام


بين "البناكس" وثبات الرجال.. من يصنع التاريخ في لحظة الامتحان؟

الإثنين - 17 أغسطس 2026 - الساعة 02:48 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


في خضم العواصف السياسية التي عصفت بالجنوب، وتحديداً في المحطة الفاصلة التي حاول فيها البعض حل المجلس الانتقالي وإسقاط الرئيس عيدروس الزبيدي من موقعه القيادي، انكشفت حقائق لم تكن يوماً مخفية، لكنها تجلت بأبهى صورها: المعدن الحقيقي للرجال لا يُعرف في أوقات الرخاء، بل في لحظة الخطر.

لطالما تداولت الأوساط الإعلامية أرقاماً عن مخصصات شهرية، تراوحت بين 3 و5 آلاف ريال سعودي، كانت تُصرف لبعض الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين عبر نظام "البناكس". لم تكن تلك المبالغ ضخمة بمعايير الثراء، لكنها كانت كافية لكشف النفوس. فمنهم من كان يرى فيها دعماً يساعده على أداء رسالته، لكن الغريب والمخزِ، أن ذات الفئة كانت أول من انقلب على الرئيس والمجلس عند أول منعطف خطر.

هؤلاء "أصحاب البناكس" لم يترددوا للحظة في نبذ القيادة التي كانت تمدهم بالعطاء، بل سارعوا إلى البحث عن جهات أخرى تدفع أكثر، وكأن ولاءهم ليس للقضية الجنوبية المقدسة، بل لمن يرفع السعر في سوق النخاسة الإعلامية. إنهم نموذج للانتهازية المقيتة، الذين يبيعون ضمائرهم وأقلامهم لأعلى مزايد، متناسين أن الكلمة الصحفية أمانة، وأن الجنوب الذي يكتبون عنه ليس سلعة في بورصة المصالح.

وفي الجانب الآخر، يقف الجيل الذهبي النادر.

هناك كوكبة من الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، لم يتسلموا ريالاً واحداً من تلك المخصصات، ولم يطلبوا "بناكس" ولا امتيازات. اكتفوا بحضورهم المشرّف، ووقوفهم الصلب إلى جانب الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي في أحلك الأوقات. هؤلاء لم يربطوا حبهم للقيادة براتب شهري، بل ربطوه بالعقيدة الوطنية، وبأن المجلس هو الحامل السياسي الوحيد لاستعادة الدولة، والرئيس الزبيدي هو الرمز الذي ثبت في وجه التحديات، وتحمل العبء الثقيل لحماية الهوية الجنوبية والمطالب التاريخية.

هنا يتجلى الدرس الأعمق:

إن من يحب الوطن والقضية لا يبيعهما ببضعة آلاف من الريالات. فالرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي ليسا شركة تجارية توزع أرباحاً، بل هما مشروع وجودي لملايين الجنوبيين. الذين تخلوا وقت الشدة لم يكونوا يوماً جزءاً من المشروع، بل كانوا مجرد عابرين استغلوا المنصة حين كانت دافئة، وولوا الأدبار حين اشتعلت النيران.

أما الذين ثبتوا، أولئك هم الجنود المجهولون في معركة الوعي، هم من يستحقون لقب "صنّاع التاريخ". إن موقفهم النبيل هو الذي سيُخلّده الضمير الجنوبي، وسيبقى شاهداً على أن هناك رجالاً لا تُشترى مواقفهم، وأن القضية الجنوبية في منأى عن صغار النفوس مهما كثرت أموالهم أو ارتفعت أصواتهم.

ختاماً:

في زمن تتلاشى فيه القيم، تظل المواقف الثابتة هي البوصلة التي تهتدي بها الأمم. إننا إذ نحيي أولئك الإعلاميين الأبطال الذين رفضوا الانبطاح للمال، فإننا ندعو القيادة الجنوبية إلى الالتفات لهذه الكفاءات الشريفة، فهي الرصيد الحقيقي الذي لا ينضب، وهي من ستبني الدولة بعد أن تنهار أسوار المصالح المؤقتة.

المجد للثابتين، والعار للمتخاذلين، ودماء الجنوب لا تُباع بدراهم.

الصحفي صالح حقروص
2026/8/17م