آخر تحديث :الإثنين - 17 أغسطس 2026 - 12:24 ص

كتابات واقلام


كيف يصدّق شعبُ الجنوب أيَّ حوارٍ مزعوم بعد التخلي عن نتائج حواراتٍ سابقة قضى عليها الراعي نفسُه؟

الأحد - 16 أغسطس 2026 - الساعة 11:40 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


ليست المشكلة اليوم في أن يُدعى شعب الجنوب إلى حوارٍ جديد تفرضه الرياض على إرادة الشعب؛ فالحوار في ذاته ليس جريمةً سياسية، ولا يرفض شعبُ الجنوب مبدأَ الجلوس إلى الطاولة متى كانت الطاولة طريقًا إلى حلٍّ عادل يحترم إرادةَ الشعب وحقَّه في التفويض فيمن يمثله ويعبّر عن تطلعاته، في تقرير مصيره في استعادة دولته، ومتى كان المتحاورون أحرارًا، ومتى كانت نتائج الحوار محكومةً بضماناتٍ لا تتبدل بتبدّل موازين القوة والمصالح؛ غير أن المشكلة الحقيقية، والأشد خطورةً، أن الجهةَ التي تطلب اليوم من شعب الجنوب أن يثق بحوارٍ جنوبيٍّ جنوبيٍّ هي ذاتُها الجهةُ التي قالت بالأمس كلامًا رسميًّا واضحًا، ثم انتهت التطورات بعد أعوامٍ وأيامٍ قليلة إلى مسارٍ يناقض جوهرَ ذلك الكلام؛ وهنا لا يعود السؤال: هل يريد شعبُ الجنوب الحوار؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن لشعب الجنوب أن يصدّق مخرجاتِ حوارٍ لا يملك حتى راعيُه السياسي القدرةَ أو الإرادةَ على احترام الأرضية التي دعا إليها، ولا يلتزم بما نصّت عليه الاتفاقات التي رعاها تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي وبإشرافٍ دوليٍّ وأوروبيٍّ وأممٍ متحدة؟

ففي 30 ديسمبر 2025، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا رسميًّا قالت فيه إن معالجة قضية شعب الجنوب تكون عبر طاولة الحوار ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن والجنوب، ونصّت بصورة صريحة على أن هذا الحوار تشارك فيه كافةُ أطياف اليمن والجنوب بمشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي المفوض شعبيًّا في تمثيل إرادة شعبه وتطلعاته في استعادة دولته كاملةِ السيادة. ولم يكن ذلك منشورًا إعلاميًّا في صفحات الصحف الصفراء، ولا تصريحًا منسوبًا إلى مصدر مجهول؛ بل كان بيانًا رسميًّا صادرًا عن وزارة الخارجية السعودية، أي عن المؤسسة التي يُفترض أن تعبّر عن الموقف السياسي الرسمي لدولةٍ قالت إنها راعيةُ الحرب.
ومن هنا تبدأ المفارقة التي لا يستطيع أيُّ خطابٍ سياسيٍّ أن يمحوَها من ذاكرة شعب الجنوب: وهي إذا كان المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بحسب البيان السعودي، هو الممثل الأكبر لقضية شعب الجنوب مع مكوناتٍ جنوبيةٍ أخرى في الحوار الذي ستُناقش عبره قضيةُ شعب الجنوب، فلماذا انتهى المسار بعد أعوامٍ من التنصل عن التزامات اتفاق الرياض الأول والثاني، وبعد أيامٍ من الدعوة إلى إعلان حلِّ المجلس الانتقالي من الرياض؟ وإذا كان الحوار بين الجنوبيين هو الطريق الوحيد لمعالجة قضية شعبهم، فلماذا تحوّل الحوار، في نظر كثيرٍ من الجنوبيين، من وسيلةٍ للوصول إلى الحل إلى مسارٍ انتهى بإزاحة الممثل المفوض بإرادة الشعب من المشهد السياسي قبل الوصول إلى الحل؟
وهذه ليست مسألةَ أسماءٍ أو هيئاتٍ أو أشخاص، بل مسألةُ مصداقيةٍ سياسية؛ فحين تقول الرياضُ الراعية إن ممثلًا سياسيًّا مفوضًا من الشعب سيكون حاضرًا في الحوار، ثم يحدث بعد أيام أن يُعلن من عاصمتِها حلُّ ذلك الممثل، فإن السؤال الطبيعي الذي سيحمله المواطنُ الجنوبي معه إلى أي طاولةٍ قادمة هو: هل أنا ذاهب إلى حوارٍ لأناقش مستقبل قضيتي في استعادة دولتي، أم ذاهب إلى مسارٍ قد تُعاد فيه هندسةُ المشاركين ونتائجِهم قبل أن يبدأ الحوار أصلًا؟

والأخطر من ذلك أن إعلان حلِّ المجلس في الرياض في 9 يناير 2026 جاء بعد أيامٍ قليلة من دعوة السعودية لمكوناتٍ جنوبية إلى مؤتمر تستضيفه المملكة بهدف وضع تصورٍ للحلول العادلة لقضية شعب الجنوب حسب الإعلان الذي تكشف أنه مجرد امتصاص صدمة الضرب الإجرامي الذي لحق بقوات المجلس الانتقالي في حضرموت. ثم أُعلن من الرياض حلُّ المجلس الانتقالي الجنوبي وكافةِ هيئاته وأجهزته، مع الحديث عن التهيئة لمؤتمرٍ جنوبيٍّ شامل تحت الرعاية السعودية.
وهنا يقف التاريخ السياسي أمام سؤالٍ لا يستطيع الهروبَ منه: ما قيمةُ حوارٍ يستدرج قضيةَ شعب الجنوب إذا كان ممثلُها المفوض شعبيًّا يمكن أن يصل إلى العاصمة الراعية للحوار بصفته طرفًا مشاركًا لا مفوضًا، ثم يصبح في الطريق إلى المؤتمر نفسه طرفًا مُلغًى أو محلولًا؟
قد يقول قائل: إن المجلس الانتقالي الجنوبي أعلن حلَّ نفسِه، وهذه روايةٌ وسرديةٌ موجودةٌ وممولةٌ بالفعل في بعض التغطيات الإعلامية المروجة سعوديًّا، لكن قضيةً سياسيةً بحجم قضية شعب الجنوب وممثلِها المفوض لم تُغلق بهذه البساطة؛ إذ ظهرت في المقابل تصريحاتٌ من داخل المجلس تنفي إعلانَ الحل وتصفه بأنه غير صحيح، بينما أكدت مصادرُ أخرى أن الإعلان صدر في الرياض على لسان الأمين العام للمجلس أمام قياداتٍ من هيئاته. ولذلك فإن المسألة، حتى من الناحية الواقعية، لم تكن مجردَ قرارٍ تنظيميٍّ عادي، وإنما تحولت إلى أزمةٍ عميقة حول الإرادة والتمثيل والشرعية السياسية لمن يملك حقَّ اتخاذ قرارٍ مصيريٍّ يتعلق بقضية شعبٍ وإرادتِه الحرة بأكمله.
وهنا لا بد أن نتوقف عند المفارقة الأكبر: المجلس الانتقالي الذي تأسس في عدن، ونشأ في قلب الحراك السياسي الجنوبي، وراكم حضورَه الشعبيَّ والسياسيَّ والعسكريَّ على الأرض، ونال التفويضَ الشعبي، انتهى مصيرُ مؤسساتِه إلى إعلانٍ صدر في الرياض. وبصرف النظر عن تقييم المجلس وأدائه وأخطائه واختلاف بعض الجنوبيين المنخرطين في أحزابٍ يمنية حوله، فإن السؤال الذي يبقى قائمًا هو: هل تستطيع عاصمةٌ خارجية أن تصنع من الإلغاء السياسي حقيقةً نهائيةً لقضية شعبٍ نشأت في أرض الجنوب، وتعيش في وجدان شعبها، وترتبط بتاريخٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ ونضاليٍّ طويلٍ يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بتفويضٍ شعبيٍّ تتزعمه قيادةٌ اختارها الشعب لا القيادة ذاتُها؟
إن قضية شعب الجنوب ليست مؤسسةً حزبيةً حتى يكون حلُّ مؤسسةٍ مساويًا لحلِّ قضيةِ شعب، وليست مجلسًا سياسيًّا حتى يكون سقوطُ مجلسٍ مساويًا لسقوط المطالبة السياسية، وليست وفدًا يذهب إلى الرياض ثم يستطيع أن يعود إلى عدن وقد ترك خلفه إرادةَ ملايين الجنوبيين على بوابة الفندق؛ فقضية شعب الجنوب أوسع من أشخاصٍ تخلّوا عن المجلس الانتقالي إذا افترضنا صحةَ مزاعم الحل، وأقدم من أحزابٍ توالي اليمنَ وصارت تعادي المجلسَ الذي يمثل إرادةَ الشعب، وأعمق من الأشخاص، وأشد رسوخًا من أي ترتيبٍ سياسيٍّ مؤقت.
ولهذا فإن الرهان على أن يؤدي إلغاءُ ممثل الشعب السياسي إلى إلغاء القضية نفسِها رهانٌ على الخلط بين الأداة والغاية؛ فالأداة قد تتغير، والقيادات قد تتبدل، والأحزاب قد تتشظى، والمجالس قد تُحل، لكن السؤال السياسي الذي أنجب هذا المجلس الانتقالي المفوض شعبيًّا وصهر كلَّ الكيانات الجنوبية المؤمنة بالهدف المصيري لاستعادة الدولة الجنوبية كاملةِ السيادة تحت مظلته يظل قائمًا ما لم يُجَب عنه بإرادة أصحاب القضية أنفسهم، وهم الشعب الذي فوضوا من أرادوا أن يكون معبرًا عن تطلعاتهم.
ثم تأتي المفارقة الثانية: كيف يمكن مطالبةُ شعب الجنوب بالثقة بمخرجات الحوار المقبلة التي ترعاها الرياض، بينما لا تزال أمامه ذاكرةُ اتفاقاتٍ وحواراتٍ وترتيباتٍ سياسيةٍ سابقة لم تتحول نتائجُها إلى واقعٍ مستقر؟ لقد كان اتفاقا الرياض الأول والثاني نفسُهما أنموذجًا صارخًا على الفجوة بين توقيع الاتفاق وتنفيذ مضامينه، وقد سبق أن دعت السعوديةُ اليمنَ الممثلَ بالشرعية الهاربة من الحوثي، والجنوبَ الذي يمثله المجلس الانتقالي كطرفَي الاتفاق، إلى الاستجابة لما تم التوافق عليه واستكمال التنفيذ كما كان في اتفاقات الرياض وقرار نقل السلطة.
وإذا كانت نتائج الاتفاقات السابقة لم تُنفَّذ كاملة، وإذا كان بيانٌ رسميٌّ حديثٌ يضع المجلس الانتقالي ضمن مكونات الحوار وهو ممثلٌ عن إرادة شعبٍ وليس فئاتٍ مجتمعيةٍ أو ممثلًا لأحزابٍ تعادي مشروعَ الشعب ثم ينتهي المسار إلى إعلان حلِّه من الرياض، فما الذي يضمن للجنوبي أن مخرجاتِ الحوار القادم لن تصبح غدًا مجردَ وثيقةٍ أخرى تُقرأ في المؤتمرات وتُنسى في دهاليز السياسة؟ وهذه هي عقدةُ الثقة، وليست عقدةَ الحوار ذاته. فالسلام لا يُبنى بمجرد جمع الأطراف اليمنية مع مجالس تنسيقية جنوبية تمثلها فئاتٌ مجتمعية تقدم على حساب ممثل الشعب المفوض بإرادته الشعبية حول الطاولة ويمثلها المجلس الانتقالي، وإنما يُبنى حين يكون الجنوب طرفًا مالكًا لقضيته، وممثلًا ومعبرًا عن إرادة شعب الجنوب، كما هو الحال في تفويض المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، حتى يضمن أن ما سيُكتب على الطاولة لن يُمحى تحتها، وأن الضامن الذي يُطلب منه التوقيع اليوم لن يكون هو نفسَه من يعيد تفسير الاتفاق غدًا وفق مقتضيات اللحظة السياسية.
وبهذا فشعب الجنوب اليوم لا يحتاج إلى حوارٍ جديد لكي يتعلم معنى الحوار؛ فقد حاور، وشارك، ووقّع، وانتظر، وقدَّم التنازلات، وشاهد الاتفاقات وهي تولد في القاعات ثم تتعثر خارجها. ولذلك فإن المطلوب قبل دعوته إلى أي حوارٍ جديد ليس أن يُقال له: تعالوا وثقوا بنا وهذه ضماناتنا وسوف نحترم من يمثل الذاتَ نفسَها والأحزابَ التي توالي اليمن على حساب قضية الجنوب وعدالتها السياسية؛ بل المطلوب أن يُقال لممثل شعب الجنوب وهو المجلس الانتقالي: هذه التزاماتُنا لك بالاحترام، وهذه آلياتُ التنفيذ، وهذه الجهة المستقلة التي ستراقب الالتزام، وهذه الكيفية التي تمنع أيَّ طرفٍ يمنيٍّ أو جنوبيٍّ من الانقلاب على النتائج بعد التوقيع.
أما أن يُطلب من الجنوب أن يذهب إلى حوارٍ جديد تحت رعاية الجهة ذاتِها التي يرى شعبُ الجنوب أنها لم تحمِ نتائجَ مساراتٍ سابقة، بل شهدت عاصمتُها في يناير 2026 انقلابًا على الاتفاقات السابقة جعل المجلسَ الانتقالي الممثل للجنوب وإرادةِ شعبه، وما تلا ذلك من ضربٍ لقواته المسلحة في حضرموت وشيطنةِ قيادته وإقصاءٍ من التمثيل في المجلس الرئاسي لدواعٍ واضحة تصب في تصفير مشروع شعب الجنوب التحرري وإعادته إلى مصالح تخدم الحوثي على حساب قضية شعب الجنوب وتضحياته؛ وبعد ضرب القوات المسلحة الجنوبية أُعلن حلُّ المجلس الانتقالي، ثم يُقال له بعد ذلك: ثقوا بمخرجات حوارٍ جنوبيٍّ ترعاه جهةٌ ضربت المجلسَ وقواتِه، فذلك يشبه أن يُطلب من إنسانٍ أن يضع توقيعَه الثاني على عقدٍ لم يُحترم عقدُه الأول، ثم يُلام لأنه يسأل عن الضمانات.
والسؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى الرياض قبل أن يوجَّه إلى الجنوب هو: إذا كانت المخرجات السابقة لم تُحمَ، فمن سيحمي المخرجات الجديدة التي تحاولون خداعَ شعب الجنوب بها وإرادتِه الصلبة؟ وإذا كان الطرف الراعي يستطيع تغيير قواعد اللعبة أثناء الطريق، فما الذي يمنع تغييرَه للنتيجة بعد نهاية الطريق؟
إن الثقة السياسية لدى شعب الجنوب وممثلِه السياسي وقيادتِه المفوضة لا تُطلب بالأمنيات، وإنما تُبنى بالسلوك والأفعال والالتزام بعقودٍ وعهودٍ ومواثيق وإشراف دولي يحترم خيارات الشعب ويؤمن مطالبها المشروعة في تقرير مصيرها واستعادة دولتها وحقها في التفويض لمن يمثلها. ومن هنا فإن الدول لا تُقاس فقط بما تقوله بياناتُ خارجياتها، بل بما تفعله عندما تصبح البيانات اختبارًا عمليًّا. وبيان 30 ديسمبر 2025 سيظل شاهدًا في هذا السياق؛ فقد قال بوضوح إن قضية شعب الجنوب تُعالج عبر الحوار، وإن المجلس الانتقالي الجنوبي سيكون ضمن الأطياف المشاركة فيه، بعد أن كان في اتفاقَي الرياض الأول والثاني ممثلًا لقضية شعب الجنوب وللجنوب كهوية وقضية. وبعد أقل من أيامٍ من أحداث يناير، وجد الجنوبيون أنفسَهم أمام إعلانٍ من الرياض بحلِّ المجلس، وهو الحدث الذي جعل سؤالَ الثقة أكبر من سؤال المشاركة.
ومن هنا فإن أيَّ حوارٍ جنوبيٍّ قادم لا يمكن أن يبدأ من الصفر، ولا يجوز أن يتعامل مع ذاكرة الجنوب السياسية وكأنها صفحةٌ بيضاء، بل عليه أولًا أن يجيب عن الأسئلة التي تركتها المسارات السابقة معلقةً: ماذا حدث للاتفاقات السابقة؟ ومن الذي أقصى المجلس الانتقالي في تمثيل الجنوب، وأقصى قيادتَه المفوضة، وضرب قواتِه، وما زال مستمرًّا في تفكيك الحواضن الاجتماعية والهوية الوطنية؟ ولماذا تعثرت الاتفاقات السابقة؟ ومن يتحمل مسؤوليةَ عدم تنفيذها؟ وما الذي تغيّر اليوم؟ وما الضمانة الحقيقية التي تمنع تكرارَ المصير نفسه؟
والأهم: من يمثل الجنوب في هذا الحوار، ومن منحه التفويض، وما حدود ذلك التفويض، وهل يستطيع المشاركون أن يقرروا مصيرَ قضيةٍ وطنية، أم أنهم مجرد ممثلين في مؤتمرٍ تديره جهةٌ خارجية وفق سقفٍ سياسيٍّ مرسومٍ سلفًا؟
وإن أخطرَ ما يمكن أن يحدث للحوار الجنوبي المزعوم في الرياض هو أن يتحول من وسيلةٍ لحل قضيةٍ سياسية تمثل إرادةَ شعب إلى وسيلةٍ لإعادة تعريف القضية، ومن طاولةٍ لتقرير المستقبل لصالح إرادة الشعب وهويته الوطنية وحدوده الجغرافية إلى طاولةٍ لتقرير من يحق له الحديث عن المستقبل في إطار اليمن؛ فالحوار الحقيقي هو الذي يوسّع دائرةَ التمثيل وفق إرادة الشعب لا إرادةِ من يريد أن يكون وصيًّا عليها من خارج حدودها، ولا الذي يستخدم التمثيلَ لتفكيك ممثلٍ اختارته إرادةُ الشعب ثم يقول إن التفكيك هو التوافق.
ولذلك فإن شعب الجنوب لن يكون مطالبًا بأن يصدق أيَّ مخرجاتٍ قادمة لمجرد أن ختمَ الرياض وُضع عليها، ولن يكون ملزمًا باعتبار كل ما يصدر عن أي مؤتمر إرادةً جنوبيةً يمثلها الشعبُ، وهو وحده من حقِّه أن يفوض من يراه ممثلًا لها، لا لمجرد أن أسماءَ جنوبيةً جلست حول الطاولة. فالشرعية السياسية للمخرجات لا تأتي من مكان انعقاد المؤتمر، ولا من جنسية الراعي، ولا من عدد المشاركين، وإنما من مدى تعبيرها عن إرادة شعبٍ يملك القضية، ومن قدرته على الصمود أمام الاختبار، ومن التزام الجهة الراعية نفسِها بها قبل أن تطلب من الآخرين الالتزام.
لقد أصبح السؤال الجنوبي اليوم أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى: إذا كانت الرياض تريد حوارًا حقيقيًّا، فلتبدأ بإعادة بناء الثقة التي هدمتها تجاربُها السابقة؛ وإذا كانت تريد مخرجاتٍ قابلةً للحياة، فلتثبت أولًا أنها تحترم مخرجاتِ الحوارات التي رعتها؛ وإذا كانت تريد من الجنوب أن يصدق ضماناتِها، فلتجعل ضماناتِها فعلًا سياسيًّا لا مجرد بيانٍ دبلوماسي.

أما أن يُقال للجنوبيين: تعالوا إلى الحوار، بينما يسألون: وماذا عن نتائج الحوارات السابقة؟ ثم يكون الجواب بالصمت؛ فهذه ليست صناعةَ سلام، بل صناعةُ أزمةِ ثقةٍ جديدة والتفافٌ واضح على مشروع الشعب وإرادتِه الحرة.

فهل يستطيع شعب الجنوب أن يصدق مخرجاتِ حوارٍ جديد، إذا كان البيان الرسمي الذي قال إن المجلس الانتقالي سيكون جزءًا من الحوار قد انتهى، بعد أيام، إلى واقعٍ سياسيٍّ مختلفٍ جذريًّا؟! بعد أن كان هذا المجلس نفسُه في اتفاق الرياض ممثلًا للجنوب وقضيتِه السياسية وإرادةِ الشعب.

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح قبل أن تُفتح أبوابُ أي قاعةِ حوار، لا بعد أن تُغلق أبوابُها؛ لأن الجنوب لا يبحث عن حوارٍ يُقال فيه كل شيء ثم لا يُنفَّذ شيء؛ بل يبحث عن حوارٍ تكون كلمتُه عهدًا، ونتيجتُه التزامًا، وضمانتُه فعلًا، ومخرجاتُه ترجمةً حقيقيةً لإرادة شعبه، لا وثيقةً جديدةً تُضاف إلى أرشيف الوعود التي أُهدرت وصارت في قاموسه لمن كانوا رعاةً غدرًا به وبقيادته وقواته ولا يحترم إرادة هذا الشعب وحقه القانوني في تفويض من يشاء ومن يراه جديرًا في التعبير عن تطلعاته المصيرية.