آخر تحديث :الخميس - 27 أغسطس 2026 - 01:55 م

كتابات واقلام


الإعلاميون والسياسة وتغيير المواقف

الخميس - 27 أغسطس 2026 - الساعة 01:55 م

حسين عبدالله بن عطاف
بقلم: حسين عبدالله بن عطاف - ارشيف الكاتب


في اليمن تحديداً، أصبحت هناك ظاهرة تستحق التوقف عندها: تحوّل الإعلامي من ناقل ومحلل للحدث إلى شخصية سياسية، ثم إلى منظر سياسي، وربما إلى مسؤول في الدولة.

في الأصل، يفترض أن تكون مهنة الإعلام قائمة على المهنية والاستقلالية، وأن يكون الإعلامي ناقلاً للحدث ومحللاً له، لا بالضرورة صاحب مشروع سياسي أو طرفاً في الصراع. لكن الواقع اليمني مختلف؛ فالإعلامي في كثير من الأحيان يتحرك داخل منظومة سياسية أو إعلامية تقف خلفها أحزاب أو قوى أو أجهزة أو دول، وتحدد له مساحة الحركة واتجاه الخطاب.

ولهذا تمتلئ مواقع التواصل بآلاف الوجوه الإعلامية القادرة على صناعة موجة وتحريك الرأي العام، لكن الموجة ليست دائماً من صناعة الإعلامي نفسه؛ فكثيراً ما يكون خلفه مخرج سياسي يحدد زاوية الكاميرا واتجاهها، ويكون الإعلامي مجرد أداة تنفيذية داخل أجندة أكبر منه.

ومن هنا نفهم ظاهرة الانتقال المستمر بين المواقف. خذ مثلاً فتحي بن لزرق، الذي مر خلال السنوات الماضية بمراحل ومواقف سياسية متناقضة، متنقلاً بين مساحات مختلفة من الحراك والإصلاح والمؤتمر والاشتراكي والانتقالي والعفاشيين، وظهر في مراحل بخطاب انفصالي شديد، وفي أخرى بخطاب وحدوي، ثم عاد ليقدم نفسه بعيداً عن كل ذلك.

والأمر لا يقتصر عليه؛ فالقائمة طويلة في الوسط الإعلامي اليمني، ويمكن أن تجد نماذج مشابهة في تجارب إعلاميين آخرين، ومنهم علي البخيتي، وكذلك وديع منصور الذي انتقل من خطاب مؤيد للانتقالي إلى موقع معارض له، عبر برنامج في قناة «الجنوب الجديد» ذات المسار السعودي الجديد.

ليس المقصود هنا أن الإعلامي لا يحق له تغيير رأيه؛ فمن حق الإنسان أن يراجع مواقفه. لكن المشكلة عندما يصبح تغيير الموقف جزءاً من طبيعة المهنة، ويتحول الانتقال من ضفة سياسية إلى أخرى إلى وسيلة للبقاء في المشهد، ثم يقدم كل موقف جديد باعتباره الحقيقة المطلقة.

ولهذا أقول للقوى السياسية: لا تبنوا مشروعكم على شخص يحمل الميكروفون.

الإعلامي قد يصنع ضجيجاً، وقد يصنع موجة، وقد يرفع شخصاً أو يسقط آخر في فضاء التواصل الاجتماعي، لكنه في كثير من الأحيان ليس صاحب القرار النهائي في اتجاه تلك الموجة؛ فقد يكون مسيراً خلف أجندة أكبر منه، أو خلف مؤسسة أو جهة أو ممول أو مخرج سياسي، ولذلك يمكن أن يمر خلال سنوات قليلة بمراحل متناقضة تماماً.

والخطأ الأكبر أن تتعامل معه كحليف سياسي ثابت، ثم تفاجأ عندما يتحول من مؤيد إلى ناقد، ومن ناقد إلى معارض، وربما من معارض إلى مؤيد جديد لذات الجهة التي كان يهاجمها بالأمس.

وهنا أرى أن أحد أخطاء المجلس الانتقالي كان في عدم فهم طبيعة العلاقة مع الإعلام والإعلاميين، والتعامل أحياناً مع بعض الوجوه الإعلامية باعتبارها امتداداً للمشروع السياسي، بينما الإعلامي بطبيعته قد يكون اليوم معك وغداً ضدك، ليس بالضرورة لأن الحقيقة تغيرت، وإنما لأن المرحلة والمصالح والأجندات والجهات المؤثرة قد تغيرت.

الإعلامي في نهاية المطاف يستطيع أن يصنع ضجيجاً، وقد يصنع موجة، لكنه لا يصنع دولة، ولا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المؤسسات السياسية.

لا تراهن على وجه إعلامي باعتباره موقفاً سياسياً ثابتاً، ولا تجعل من صاحب الميكروفون قائداً لمشروعك؛ لأن الميكروفون قد يتغير صاحبه، وقد يتغير اتجاهه، وقد يتغير الصوت الذي يخرج منه، بينما المشروع السياسي الحقيقي يفترض أن يبقى قائماً على المؤسسات لا على الأشخاص.

خالص الود.