آخر تحديث :الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - 09:09 م

كتابات واقلام


استبدال الذاكرة

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - الساعة 08:33 م

احمد عبداللاه
بقلم: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب


من انتقد المجلس الانتقالي في عز قوته، فهذا موقف يُحترم، ومن يقيّم تجربته اليوم، في ظرف صعب، بالنقد والمراجعة الموضوعية، فذلك يُحترم أيضاً. لكن المثير أن يستيقظ المرء ذات يوم ليجد نفسه قد أصبح عدواً شرساً لكل ما كان يؤيده قبل فترة قصيرة جداً، وأن يسيء فجأة إلى من أمضى سنوات يدعو الآخرين إلى الالتفاف حوله والتمسك به.

خلال أيام تغيّرت قناعات البعض، وانقلبت لغتهم، وتبدّلت لديهم مواقع الأصدقاء والخصوم، حتى بدا وكأن صاحب الموقف الجديد لم يراجع أفكاره، وإنما استبدل ذاكرته بالكامل.

وحين يتزامن هذا الانقلاب الخاطف مع المال السياسي، يصبح تسويقه باعتباره "موقفاً" استخفافاً بالعقول. فالقناعات ليست أحكاماً مؤبدة، وقد تتغير بالحجة والتجربة والزمن، لكن القناعات التي تتبدل بين عشية وضحاها بإرادة خارجية، فلها دلالة واحدة يفهمها الناس تماماً.

أما شعار "القضية أهم من الكيانات والأفراد"، فهو في أصله قول صحيح، لكنه يصبح حقاً يُراد به باطل حين يُستخدم ذريعة لإزاحة القوى ذات الثقل الأكبر، أو لتهميش قاعدتها الشعبية، أو لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم أهدافاً خارجية. فالقضية الوطنية لا تُخدم بإضعاف حواملها الاجتماعية والسياسية، ولا يمكن لمن يعمل على تفكيك قواها الفاعلة، استجابة لإرادة خارجية، أن يقنع الناس بأنه يفعل ذلك دفاعاً عن القضية.

القضايا أكبر من الكيانات بالفعل، والكيانات ليست مقدسة، لكنها أيضاً لا تعيش في الفراغ. وحين يكتسب كيان ما ثقله من قاعدة شعبية واسعة، فإن نقده شيء، ومحاولة إلغائه أو استعداء جمهوره شيء آخر تماماً.

الأمر لا ينحصر على أفراد يبدلون وجهتهم. لأن محاولات تغيير مواقف بعض الشرائح الجنوبية لم تتوقف أصلاً، لكن ما هو أبعد من ذلك يجري الآن، التمهيد للانتقال من تغيير المواقف إلى تغيير تعريف القضية نفسها.

ويجري ذلك عبر تجميع قوى سياسية محدودة الحضور الشعبي، تختلف في منطلقاتها ومصالحها، لكنها قد تلتقي عند إعادة تقديم قضية الجنوب بمعان مختلفة، تمهيداً لإخراجها من سياقاتها التاريخية والسياسية.

ثمة إذن محاولة تستدعي التيقظ والثبات. فما يحدث لا ينبغي أن يمر عابراً، فهناك جهد خارجي يُكرّس لشراء المواقف، ويتم التعامل مع ذلك باعتباره عملاً سياسياً. والحقيقة أن هذه ليست سياسة بقدر ما هي عقلية استخباراتية بدائية، تتوهم أن النفوذ يُبنى بشراء الولاءات، وأن تفكيك المجتمعات وزرع الانقسامات داخلها يمكن أن يصنعا حضوراً دائماً.

قد يحدث إرباك في المشهد، وقد ينتقل بعض الأشخاص من ضفة إلى أخرى، ويعلو كثير من الضجيج السياسي والإعلامي، لكن ذلك لا يصنع نفوذاً راسخاً، ولا يبني حلفاء حقيقيين، ولا يؤسس شيئاً قادراً على البقاء. فالولاء الذي يُشترى يظل مرهوناً بثمنه.

وفي النهاية، حين تنتهي الأدوار تنتهي معها الحاجة إلى أصحابها، كما حدث مع غيرهم من قبل، فالعلاقات التي يصنعها المال لا تدوم. وحين يخفت ضجيج اللحظة، يبقى حكم التاريخ وذاكرة الشعوب.
أحمـــــــــــدع