آخر تحديث :الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - 03:19 م

كتابات واقلام


الجنوب العربي بين فَكَّيْ كمَّاشة النفط والجغرافيا

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - الساعة 02:55 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


ليس خافياً على أحدٍ أن الجنوب العربي يقع في مفترق طرق جيوسياسية نادرة، حيث تلتقي الثروات الباطنية بالأهمية البحرية الفائقة، ليكون بذلك أحد أكثر بقاع الأرض إغراءً للنفوذ الخارجي، وأكثرها معاناةً من وطأة التناقضات الدولية. غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في هذا الإغراء بحد ذاته، بل في تحوّل الجنوب وشعبه إلى رهينةٍ لصراعٍ غامضٍ بين مصالحَ كبرى لا تعنيها طموحات أبنائه في دولةٍ مستقلةٍ وعاصمتها عدن، بقدر ما تعنيها حصّة كل طرفٍ من "الكعكة" النفطية.

في المشهد الجنوبي اليوم، يتجلى صراعٌ عجيبٌ بين منطقين متناقضين: فبينما يحرص فريقٌ دوليٌ، تقوده بريطانيا تاريخياً، على استخراج الثروات النفطية والغازية من باطن الأرض، وتحقيق مكاسب طائلة للشركات المستثمرة، يبرز فريقٌ آخر، بزعامة الولايات المتحدة، لا يقلّ عنه إصراراً، لكن في اتجاهٍ معاكس تماماً؛ إذ يعمل بكل قوة على إبقاء تلك الكميات الهائلة من النفط والغاز مدفونةً لعقودٍ قادمة. وهذا الأخير، الذي تنضم إليه في الخلفيات أطرافٌ كالسعودية وقطر وروسيا، يرى في خروج ثروات الجنوب إلى الأسواق العالمية تهديداً مباشراً لمصالحها، وتقويضاً لمعادلات السوق التي تضمن لها الريادة والنفوذ.

وهنا تكمن المفارقة المريرة: الجنوب العربي لا يُستباح فقط لأنه يمتلك ثرواتٍ طائلة، بل لأنه وُجد في موقعٍ استراتيجيٍ جعله ساحةً لتنافسٍ لا يقلّ ضراوةً عن التنافس على النفط نفسه. فمضيق باب المندب والممرات البحرية المحيطة، التي تضاعف من قيمة الجنوب، لم تكن سوى عاملٍ زاد من حدّة التجاذب، وجعلت كل طرفٍ يتمسك بموقعه وكأنه يلعب جولةً أخيرة في لعبة شطرنجٍ دولية، لا مكان فيها لأحلام الشعوب.

لكن الكارثة الأعظم أن الجنوب العربي، وبتواطؤٍ من حظه العاثر، لم يقف في صفّ القوة الأقدر على ترجمة مصالحها، بل كان إلى جانب الطرف الأضعف الذي تقوده بريطانيا والساعي لاستخراج الثروة؛ في حين كان مناوئه الأقوى بقيادة أمريكا يصبّ كل جهوده في خانة منع خروج تلك الثروات، إيماناً منه بأن بقاءها في جوف الأرض لسنين طوال هو الذي يخدم أجندته البعيدة المدى.

والخلاصة الموجعة أن قضية الجنوب العربي لم تكن يوماً مجرد صراعٍ على الثروات، بل كانت، وما زالت، مسرحيةً يعاد عرضها على مرأى من شعبٍ ينتظر دولته، في وقتٍ يُقرّر فيه مصيره خارج إرادته. فطالما ظلّ الجنوب مرتهناً لهذا التناقض الدولي، وطالما ظل الصراع بين نزع الثروات وإبقائها في مكمنها، فإن حلم استعادة الدولة الجنوبية سيبقى أسيرَ معادلةٍ لم تحفظ للجنوبيين سوى دور الضحية الصامتة في سباق الأمم المتصارعة. وحتى يفيق العالم على حقيقة أن للجنوب شعباً له صوتٌ وحقٌّ في تقرير المصير، فلن تكون كعكة النفط سوى شاهدٍ على ظلمٍ تاريخيٍ يتجدّد كل يوم.