آخر تحديث :الأحد - 30 أغسطس 2026 - 08:15 ص

كتابات واقلام


بعد السبعين.. ماذا يبقى في القلب؟

الأحد - 30 أغسطس 2026 - الساعة 08:15 ص

أحمد محمود السلامي
بقلم: أحمد محمود السلامي - ارشيف الكاتب


▪️بعد السبعين، تتغير أسئلة الإنسان. لم نعد نسأل كثيراً: ماذا سنحقق؟ بل نسأل بهدوء: ماذا تركنا خلفنا؟ ومن سيذكرنا بالخير حين نغيب؟ وما الذي سيبقى منا في ذاكرة الذين أحببناهم وعاشوا معنا تفاصيل العمر؟

في هذه المرحلة، تصبح الذاكرة أكثر حضوراً. تعود وجوه أحببناها ثم غابت، وأصوات لم نعد نسمعها، وأيام كنا نظن أنها لن تنتهي. نتذكر أصدقاء كانوا جزءاً من حياتنا، ثم أخذهم الرحيل بعيداً. نكتشف أن بعض الناس غادروا الدنيا، لكنهم لم يغادروا قلوبنا، وأن أجمل ما في الماضي ليس ما امتلكناه، بل من شاركونا أيامه.
بعد السبعين، لا تعود الأشياء الكبيرة مغرية كما كانت. تكفينا كلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وبيت هادئ، وصديق وفيّ، وأبناء وأحفاد يحيطوننا بالمحبة. نكتشف، ربما متأخرين، أن راحة القلب أغلى من أشياء كثيرة سعينا إليها طويلاً.

لكن السبعين ليست باباً يُغلق، ولا إعلاناً بالتوقف عن الحياة. يمكن أن تكون بداية أكثر هدوءاً وصدقاً. نقرأ كتاباً مؤجلاً، نكتب ما ظل في القلب، نتعلم شيئاً جديداً، نمارس هواية أحببناها، أو نسافر إلى مكان طالما حلمنا بزيارته. ليس المهم أن نفعل أشياء عظيمة، بل أن نشعر بأن لأيامنا معنى.

ولهذا علينا أن نشغل أنفسنا بما هو مفيد، وأن نمنح أيامنا عملاً نحبه أو نشاطاً يشغل العقل والروح. فالفراغ الطويل قد يثقل القلب، والاستسلام والحسرة والندم قد يجعل الإنسان يشعر بأن العمر انتهى، بينما الحياة ما زالت تمنحه أشياء تستحق أن تُعاش.
وربما أجمل ما يحدث لنا بعد السبعين أننا نصبح أكثر قرباً من أنفسنا. نتوقف عن محاولة إرضاء الجميع، ولا نهتم كثيراً بما يقوله الآخرون. نتصالح مع أخطائنا، ونتعلم أن نترك بعض الخلافات خلفنا، وأن نختار راحة القلب بدلاً من معارك لا تستحق.
وفي هذه السن، لا يحتاج الإنسان إلى الطعام والدواء والنوم فقط؛ يحتاج إلى الحركة، والحديث، والقراءة، والضحكة، والصديق، وإلى من يسأل عنه بصدق: «كيف حالك؟» ثم ينتظر الإجابة ويعنيها حقاً. يحتاج إلى أن يشعر بأنه ما زال حاضراً في حياة من حوله، وأن وجوده ليس مجرد رقم في سنوات العمر.
ومع مرور الأيام، يصبح الأبناء والأحفاد جزءاً من معنى الحياة. لا نريد منهم الكثير؛ يكفينا أن نراهم بخير، وأن نترك لهم كلمة طيبة، وتجربة نافعة، وذكرى جميلة. وربما يكون أجمل ما نقدمه لهم ألا نروي لهم فقط ما عشناه، بل ما تعلمناه من الحياة.
الحياة لا تنتهي حين نكبر، لكنها تتغير. وما دام في القلب حلم، وفي العقل سؤال، وفي الروح قدرة على الحب، فما زال هناك متسع ليوم جميل، وفكرة جديدة، ولقاء دافئ، وابتسامة.

وفي النهاية، لا يبقى معنا المال، ولا المناصب، ولا الشهرة. يبقى الإنسان في ذاكرة من أحبوه، ويبقى أثره في الذين علمهم، وساعدهم، وأحبهم، وترك في حياتهم شيئاً جميلاً. وتبقى أعماله النافعة شاهداً على أنه مرّ من هنا، ولم يكن وجوده عابراً.
بعد السبعين، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم بقي لنا من العمر؟ بل: ماذا نريد أن نضع في الأيام الباقية؟

فأجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس ما امتلكه، وإنما ما زرعه من معرفة ومحبة، وما أنجزه من عمل نافع. وفي النهاية، قد لا يبقى من الإنسان شيء في يديه، لكن يكفي أن يبقى شيء منه في قلب إنسان آخر.