آخر تحديث :الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - 12:02 ص

كتابات واقلام


بمقياس المواطن اليمني البسيط.. الحوثي أهون الشرين

الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - الساعة 12:02 ص

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


ليس المقصود من القول إن «الحوثي أهون الشرين» تبرئة الحوثي أو تقديم مشروعه بوصفه خيارًا وطنيًا أفضل، وإنما قراءة العبارة من زاوية المواطن البسيط الذي أنهكته الحرب، ولم يعد يقيس الصراع بالشعارات، بقدر ما يقيسه بما يلمسه في حياته من راتب وخدمات وأمن وكرامة.

فالمواطن الذي يرى امتيازات تُحفظ لبعض النخب، ووظائف ومخصصات في الخارج، بينما تتسع دائرة الفقر والمعاناة في الداخل، قد يصل إلى مقارنة قاسية بين واقعين، لا لأنه اختار أيًّا منهما، وإنما لأنه يبحث عن الأقل ضررًا.
عندما يصبح الوطن كشف حساب
بمقياس المواطن، لا تبدو الهزيمة والانتصار كما تبدوان في خطابات السياسيين.

فقد تعني هزيمة الشرعية، بالنسبة إلى بعض المستفيدين منها، انتهاء منظومة من الامتيازات: لا إعاشات لمن هم في الخارج، ولا مرتبات بالعملة الصعبة، ولا وظائف دبلوماسية خارج نطاق القانون والكفاءة، ولا امتيازات مرتبطة بالموقع السياسي.
وبالمقابل، فإن أي انتصار يحققه الحوثي سيقلب كثيرًا من هذه المعادلات، وينهي مصالح نشأت وتوسعت خلال سنوات الحرب.
وهنا تكمن المفارقة: ما يراه البعض «معركة وطنية»، قد يراه المواطن الذي لم يحصل على شيء من ثمارها صراعًا على السلطة والمصالح.

المواطن لا يعيش في السفارة، ولا يتقاضى راتبًا بالدولار. هو يعيش في الداخل، ينتظر راتبه، ويبحث عن الكهرباء والماء، ويواجه الغلاء، ويريد دولة تحترم مواطنيها.
لذلك يسأل ببساطة:
وماذا قدمت لي هذه الشرعية؟
سؤال واحد قد يكون أقوى من عشرات الخطب.
المشكلة ليست في المواطن

من السهل اتهام المواطن بالجهل أو التخاذل عندما يبدأ في مقارنة الخيارات، لكن السؤال الأهم: من أوصله إلى هذه المرحلة؟
فحين يرى المواطن الامتيازات في الخارج، بينما يعجز هو عن توفير احتياجات أسرته، فمن الطبيعي أن تتغير نظرته إلى الحرب. هو لا يبحث بالضرورة عن الأفضل، بل قد يبحث عن الأقل ضررًا.
وهنا تظهر عبارة «أهون الشرين».
لا تعني أن الحوثي أصبح صالحًا لحكم اليمن، ولا أن مشروعه أصبح مقبولًا، وإنما تعني أن فشل خصومه في تقديم نموذج دولة عادلة قد يدفع بعض الناس إلى النظر إليه باعتباره أقل سوءًا من واقعهم الحالي.
وهذه ليست شهادة للحوثي، بقدر ما هي شهادة فشل للآخرين.
الدولة أولًا
إذا أرادت الشرعية استعادة ثقة المواطن، فلن تفعل ذلك بكثرة الشعارات والمناصب والامتيازات، وإنما بدولة يلمسها المواطن في حياته اليومية: راتب منتظم، قانون يسري على الجميع، وظيفة تقوم على الكفاءة، ومؤسسات لا تتحول إلى غنائم سياسية.
أما أن يُطلب من المواطن الدفاع عن دولة لا يجدها في حياته، بينما يرى آخرين يعيشون خارجها ويتمتعون بامتيازاتها، فهذه معادلة لن تصمد طويلًا.
فالناس قد تتحمل الفقر والحرب، لكنها لا تستطيع تجاهل التناقض إلى الأبد.
وأهون الشرين خيارًا مثاليًا، ولا ينبغي أن يكون معيار الاختيار بين مستقبلين.
لكن وصول المواطن إلى عبارة «الحوثي أهون الشرين» يجب أن يكون جرس إنذار، لا مادة للتخوين.
فالمواطن الذي يقولها قد لا يكون قد أحب الحوثي، وإنما يكون قد فقد ثقته بالبديل.
فالخطر الحقيقي ليس أن يقتنع المواطن بالحوثي، وإنما أن يفقد ثقته بمن يفترض أنهم البديل عنه.
وعندما يصل المواطن إلى مرحلة لا يسأل فيها: «من الأفضل؟»، وإنما يسأل: «من أهون الشرين؟»، فذلك يعني أن الدولة قد خسرت معركتها في وعي المواطن، قبل أن تخسرها في ميدان الحرب.
ودق دق سبعتين