آخر تحديث :الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - 05:20 م

كتابات واقلام


الحديدة.. مَن أوقف تحريرها؟ ومن يتحمّل سقوط الساحل الغربي؟

الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - الساعة 05:12 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


إن أكبر كذبة سياسية عرفتها الحرب بين الميليشيات الحوثية وأطراف الشرعية هي أن المجتمع الدولي أوقف تحرير الحديدة؛ إذ لم يكن ذلك سوى غطاءٍ سياسيٍّ لقرارٍ إقليميٍّ أوقف معركة التحرير، ثم أُعيد تسويقه بوصفه إرادةً دوليةً لتبرئة صاحب القرار الحقيقي.
كانت قوات العمالقة الجنوبية وبعض التشكيلات العسكرية الأخرى، بدعمٍ وتسليحٍ وإشرافٍ إماراتي، على أطراف الحديدة حين كانت القوات تقترب من حسم المعركة. غير أن الوقائع لا تحتاج إلى شهادة ميدانية؛ فالدول لا تمنح سلطةً تعترف بها شرعيًّا حقَّ القتال، ثم تسحب منها حقَّ تحرير مدينة من أراضيها بحجة أن المجتمع الدولي أوقف الحرب ومنع تحريرها. ولو كان هناك فيتو دولي على تحرير المدن، فلماذا لم يمنع تحرير عدن والمخا؟
نعم، كانت هناك مخاوف دولية وحقوقية من سقوط ضحايا مدنيين إذا اندلع القتال داخل أحياء وشوارع المدينة؛ ولأجل ذلك وُضعت خطة عسكرية لتطويق الحوثيين وتحرير المدينة، مع تجنّب معركة الشوارع قدر الإمكان. وكانت القوات الإماراتية والقوات الجنوبية والقوات المشاركة في العملية قد وصلت إلى تخوم الحديدة، وكان الحوثيون أمام اختبار السقوط العسكري.
وهنا تدخّل القرار السياسي، ولم تكن المشكلة في قدرة القوات على التقدم، ولا في غياب الخطة، ولا في استحالة تحرير المدينة؛ بل كانت المشكلة في إرادة سياسية قررت إيقاف القوة العسكرية حين أصبحت على وشك تغيير ميزان الحرب. وكانت من بينها حسابات شخصية، وبعضها متصل بقضية مقتل خاشقجي، التي استخدمتها بعض اللوبيات المناصرة للحوثيين بهدف جعل العامل الإنساني يُستغل على حساب قرارات مجلس الأمن الدولي المناصرة للشرعية.
ولهذه الأسباب، دُفعت السلطة الشرعية إلى اتفاق ستوكهولم، وجُمّدت عملية التحرير، ثم أُخرجت من المشهد الحقيقة الأخطر: أن من أوقف المعركة لم يكن العالم بوصفه شماعةً غامضة، بل مَن كان يملك نفوذًا حاسمًا على القرار اليمني، ويستطيع أن يأمر بوقف المعركة ثم يطلب من الآخرين تصديق رواية الفيتو الدولي.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا أوقف المجتمع الدولي تحرير الحديدة؟
بل السؤال الحقيقي هو: مَن امتلك قرار إيقافها؟ ومن المستفيد من تحويل قرار سياسي إقليمي إلى إرادة دولية؟
فالوصاية لا تحتاج إلى احتلال مباشر؛ يكفي أن تمتلك قرار الحرب والسلم، وأن تجعل السلطة المسماة شرعية عاجزةً عن استخدام قوتها حين تريد، ثم تقنعها بأن العجز قدرٌ دوليٌّ.
ولما كانت الحديدة قاب قوسين أو أدنى من التحرير، فإن اليد التي أوقفت المعركة لم تكن يد الحوثي وحده، بل كانت يد القرار السياسي الذي منع خصمه من استثمار تفوقه العسكري. والفيتو المزعوم فضحته شهادة من قلب الميدان، وليست حكايةً تُروى بعد سنوات.
والحقيقة ببساطة: لم تُهزم معركة الحديدة عسكريًّا، بل أُوقفت سياسيًّا، ومن أوقفها يتحمل مسؤولية ما ترتب على إيقافها.
ومن كان المستفيد من تحويل قرار إيقاف تحرير الحديدة وتمريره بمفهومه ودبلوماسيته، هو نفسه من استفاد من إضعاف القوات التي كانت في الساحل الغربي، وجعلها بلا غطاءٍ ولا تنسيقٍ وعرضةً للاختراقات، منذ قصف الحوثيين المخا بالصواريخ والطيران المسيّر قبل ما يقارب شهرًا، ودخولهم المناطق التي كانت بيد الإخوان في مدينة تعز دون مقاومة، حتى استطاعوا تطويق الساحل الغربي من كل الجهات؛ مما يؤشر إلى طبيعة من كان يدير ملف الحرب والمتحكم في قرار الشرعية.
وإلا فما تفسير عدم التعاطي مع المستجدات التي بدأها الحوثي بالصواريخ والطيران، وانتهت بالتصعيد الميداني والمواجهة على الأرض؟ حتى إن تقارير دولية أشارت إلى أن الحوثي استخدم في حرب الساحل بعض التقنيات في منظومة الصواريخ والطيران المسيّر المدعومة بالألياف الضوئية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مما جعل الفارق يصبّ لصالح الحوثيين، على حساب من يُفترض أنه داعمٌ للحرب، والذي يُفترض به أن يدعم أطرافه في الميدان.
وخلاصة القول: يرى المتابع السياسي، بربط الأحداث بعضها ببعض، أن التسوية السياسية المتعثرة بين الحوثيين وأطراف الشرعية قد صارت حاليًّا أكثر واقعيةً من منظور راعي الحرب؛ لوجود مبررات تجعل من تراخي الشرعية في قواتها بالساحل الغربي سببًا لقبول التسوية تحت ضغط هذا المبرر، وطرحها أمام واقعٍ جديدٍ من جهة، وتصاعد حدة الصواريخ الحوثية التي وصلت إلى أراضي المملكة من جهة أخرى، حتى أصبحت سببًا كافيًا لإقناع الشعب السعودي باحتواء الحرب وعدم توسيعها، حتى لا تتحول إلى حربٍ إقليميةٍ شاملة.