آخر تحديث :الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - 11:21 م

كتابات واقلام


فضيحة بجلاجل ماذا جرى ؟ .. ( هل هي عملية هروب أو إعادة تموضع ) ؟!!!

الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - الساعة 10:51 م

العقيد/ محسن ناجي مسعد
بقلم: العقيد/ محسن ناجي مسعد - ارشيف الكاتب


إن المساحة الجغرافية التي تمكنت مليشيات الحوثي من السيطرة عليها في الساحل الغربي، والتي تقترب ــ وفق المعطيات المتداولة ــ من نصف مساحة محافظة الحديدة، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تطور ميداني عابر، بل باعتبارها تطورًا عسكريًا بالغ الخطورة، يثير كثيرًا من علامات الاستفهام حول حقيقة ما جرى، وكيف تمكنت مليشيات الحوثي من تحقيق هذا التقدم السريع خلال فترة زمنية قصيرة، ومن دون أن تواجه مقاومة تتناسب مع حجم القوات التي كانت يفترض أن تتولى الدفاع عن تلك المناطق.

والسؤال الأكثر إلحاحًا هنا: كيف تمكنت مليشيات الحوثي من اجتياح هذه المساحة الجغرافية الواسعة خلال أقل من أسبوع؟ وكيف تمكنت من الوصول إلى مناطق مثل حيس والخوخة والمخاء ثم التقدم باتجاه ذباب، بينما كانت أمامها قوات يقال إن قوامها عشرات الآلاف من المقاتلين، وتمتلك من الأسلحة والعتاد ما يؤهلها، نظريًا على الأقل، لخوض معركة دفاعية صعبة ومكلفة ؟.

الأكثر إثارة للجدل هو ما تردد عن انسحاب قوات طارق عفاش من مواقعها، وما وُصف بأنه انسحاب تكتيكي وإعادة تموضع في مدينة ذباب. فالمفهوم العسكري للانسحاب التكتيكي وإعادة التموضع لا يعني التخلي عن الأسلحة والمعدات والذخائر وتركها للخصم، بل يفترض أن تتم العملية وفق خطة عسكرية محددة، وبترتيب يحافظ على القوة القتالية ويمنع العدو من الاستفادة من المواقع والمعدات التي تم إخلاؤها.
ومن هنا فإن ما حدث على الأرض يطرح سؤالًا مشروعًا حول مدى انطباق وصف «الانسحاب التكتيكي وإعادة التموضع» على ما جرى بالفعل. فإذا كان الأمر انسحابًا منظمًا وفق خطة عسكرية، فلماذا تُركت الأسلحة والعتاد؟ ولماذا لم تُنقل المعدات التي كان من الممكن أن تعزز قدرة القوات على مواصلة القتال من مواقع جديدة؟

إن المشهد الميداني، كما ظهر من خلال التطورات المتسارعة، يوحي بأن مليشيات الحوثي وجدت أمامها ظروفًا عسكرية أفضل بكثير مما كان يمكن أن تتوقعه، وأن الطريق أمامها بات مفتوحًا باتجاه حيس والخوخة والمخاء، وصولًا إلى ذباب، من دون مقاومة تتناسب مع حجم المساحة التي تمكنت من السيطرة عليها. وهذا بحد ذاته يمثل مؤشرًا خطيرًا على حجم الخلل الذي أصاب المنظومة العسكرية المناوئة للحوثيين.
ومن الواضح أن الضربات الصاروخية والطيران المسيّر التي سبقت هذا التقدم، واستهدفت مواقع عسكرية ومدنية في المخاء ومناطق أخرى من محافظة تعز، لم تكن مجرد عمليات عسكرية منفصلة، وإنما بدت ــ وفق تسلسل الأحداث ــ أقرب إلى تمهيد ناري لعملية عسكرية أوسع.
وقد بدا أن الحوثيين تحركوا عبر أكثر من محور في الوقت نفسه؛ ففي محافظة تعز نشطوا باتجاه الكدحة والوازعية، بما يهدد الطريق الرابط بين تعز والمخاء، في حين اتجه محور آخر نحو حيس والخوخة بهدف تعزيز السيطرة على جنوب الحديدة، قبل أن يمتد التقدم باتجاه المخاء ثم ذباب.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة للقلق: مدينة المخاء، ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، دخلتها القوات الحوثية في ظل مقاومة محدودة للغاية وفق ما أظهرته التطورات الميدانية، ثم واصلت تقدمها باتجاه ذباب. ومهما اختلفت الروايات والتفسيرات حول أسباب ذلك، فإن النتيجة العسكرية لا يمكن تجاهلها: مساحة جغرافية واسعة تغيرت السيطرة عليها خلال فترة زمنية قصيرة.

لكن ما كشفته هذه التطورات لا يتعلق بالساحل الغربي وحده؛ وإنما كشف بصورة أكثر وضوحًا عن أزمة أعمق تتمثل في تفكك منظومة القوات المناوئة للحوثيين وغياب القيادة والسيطرة والتنسيق العسكري الموحد.

فجبهة تعز تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تعمل وفق حساباتها الخاصة، بينما تعمل القوات التابعة لطارق عفاش وفق حسابات أخرى، ولا يبدو أن هناك مركز قيادة وسيطرة موحدًا يمتلك القدرة على إدارة العمليات العسكرية في مختلف المحاور باعتبارها أجزاء من معركة واحدة.

وهذه ليست مشكلة تنظيمية بسيطة، بل هي مشكلة استراتيجية. ففي الحروب لا يكفي أن تمتلك آلاف المقاتلين أو كميات كبيرة من الأسلحة؛ إذ إن القوة العسكرية الحقيقية لا تقاس بعدد الأفراد والسلاح فقط، وإنما بقدرة القيادة على توحيد القرار، وتنسيق العمليات، وتحديد الأهداف، وتوزيع المهام، وإدارة المعركة من خلال مركز قيادة وسيطرة قادر على التعامل مع مختلف التطورات الميدانية.
أما عندما تعمل القوات كجزر منفصلة، ولكل قوة حساباتها وأولوياتها وآلياتها الخاصة في اتخاذ القرار، فإن كثرة القوات قد تتحول من عنصر قوة إلى عنصر ضعف، لأن الخصم يستطيع استغلال الفجوات الموجودة بين هذه القوات وضربها بصورة منفردة.
والأخطر من ذلك أن السنوات الطويلة من الحرب لم تنجح في بناء مؤسسة عسكرية موحدة قادرة على إدارة حرب طويلة ومعقدة ضد خصم يمتلك قيادة مركزية أكثر تماسكًا. وبقيت الساحة اليمنية تعاني تعدد المكونات العسكرية، وتعدد مراكز القرار، وتباين العقائد والأولويات، وهو ما انعكس بصورة واضحة في العديد من الجبهات.
ولا يمكن أيضًا تجاهل الحديث المتكرر عن الفساد الذي رافق إدارة الحرب خلال السنوات الماضية، سواء في الجانب السياسي أو العسكري، وما ترتب عليه من إضعاف للمؤسسة العسكرية وتحويل جزء من موارد الحرب إلى شبكات مصالح ومراكز نفوذ، في الوقت الذي ظل فيه المقاتل في الميدان يعاني من ظروف معيشية صعبة.

وهنا يجب أن نكون أكثر وضوحًا: الحرب لا يمكن أن تنتصر فيها منظومة تُدار بمنطق المصالح الشخصية، بينما يُطلب من المقاتلين دفع ثمن المعركة من دمائهم دون أن يحصلوا على أبسط حقوقهم. كما أن الدعم الذي قدمته دول التحالف العربي لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا لم يتحول إلى قوة عسكرية منظمة وفاعلة على الأرض.
وعندما ننظر إلى ما يجري في مختلف الجبهات، من البيضاء وصعدة والجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي، فإن الصورة العامة تشير إلى أن القوات الحكومية، بوضعها الحالي، تواجه صعوبة كبيرة في حسم الحرب عسكريًا، ليس بالضرورة بسبب نقص العدد أو السلاح، وإنما بسبب غياب المنظومة العسكرية الموحدة القادرة على تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى قوة قتالية متماسكة.
وفي المقابل، استفاد الحوثيون خلال سنوات الحرب والتهدئة من الوقت في تطوير قدراتهم العسكرية، وتحسين أدائهم القتالي، وتعزيز قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، وبناء منظومة قيادة أكثر تماسكًا، وهو ما منحهم قدرة أكبر على المبادرة والمناورة واستغلال الثغرات الموجودة لدى خصومهم.
أما الطرف الآخر، فقد ظل يعاني تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات، بينما انشغلت قطاعات واسعة من القيادات السياسية والعسكرية بإدارة مصالحها الخاصة، في الوقت الذي بقيت فيه الجبهات بحاجة إلى قيادة عسكرية موحدة واستراتيجية واضحة.
ولا يقل خطورة عن ذلك تعدد المكونات العسكرية في الجنوب، الذي يمثل في حد ذاته نقطة ضعف استراتيجية ما لم تتم معالجته ضمن مشروع وطني واضح لتوحيد القوات وتحديد عقيدتها ومهامها ومركز قيادتها. فوجود قوات عديدة لا تعمل تحت قيادة موحدة لا يعني بالضرورة امتلاك قوة عسكرية أكبر، بل قد يعني امتلاك قوى متفرقة يسهل تعطيلها أو استنزافها أو إرباكها.

وما حدث في الساحل الغربي يقدم مثالًا صارخًا على خطورة غياب القرار العسكري الموحد. فحين لا تكون هناك قيادة واحدة قادرة على إدارة المعركة، وحين تعمل القوات المتجاورة وفق حسابات مختلفة، فإن أي اختراق في جبهة واحدة يمكن أن يتحول سريعًا إلى انهيار في جبهات أخرى.
المشكلة إذن ليست في عدد الجنود، ولا في كمية الأسلحة، ولا في حجم الدعم الخارجي وحده؛ المشكلة في غياب المنظومة التي تجعل كل هذه العناصر تعمل كقوة واحدة.
ومن هنا فإن الحديث عن تحقيق نصر عسكري حاسم على الحوثيين، في ظل استمرار حالة التفكك الحالية، يظل أقرب إلى الأمنيات منه إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ.
فالحرب تحتاج إلى قرار سياسي موحد، وقيادة عسكرية موحدة، ومركز قيادة وسيطرة موحد، وعقيدة عسكرية واضحة، وخطة استراتيجية واحدة، وقوات تتحرك وفق هذه الخطة لا وفق حسابات ومصالح متباينة.
أما استمرار العمل بمنطق الجزر العسكرية المنفصلة، وتعدد مراكز القرار، وتضارب الأولويات، وغياب الاستراتيجية العسكرية الموحدة، فلن يؤدي إلا إلى تكرار المشهد نفسه في جبهات أخرى.
وإذا كانت التطورات الأخيرة في الساحل الغربي قد كشفت شيئًا، فإنها كشفت قبل كل شيء أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قوة الحوثيين، وإنما في حالة الضعف والتفكك التي تسمح لهذه القوة باستثمار أخطاء خصومها وتحويلها إلى مكاسب عسكرية متسارعة.

وهذه هي الفضيحة الحقيقية التي ينبغي التوقف أمامها: أن تمتلك قواتٌ كبيرة العدد والسلاح، ثم تفقد الأرض والمواقع والعتاد خلال فترة وجيزة، بينما يظل المسؤولون يختلفون حول التسمية: هل كان ما حدث انسحابًا تكتيكيًا أم إعادة تموضع ؟
فالميدان لا يعرف المجاملات، والخرائط لا تجامل أحدًا، والنتائج العسكرية هي التي تقول في النهاية: من تقدم، ومن تراجع، ومن ترك الأرض والعتاد خلفه.