آخر تحديث :السبت - 17 يناير 2026 - 01:23 م

الصحافة اليوم


حكمة الإمارات وثباتها الإعلامي في تطورات ملف اليمن

السبت - 17 يناير 2026 - 11:34 ص بتوقيت عدن

حكمة الإمارات وثباتها الإعلامي في تطورات ملف اليمن

محمد تقي


في لحظات الاضطراب الإقليمي، تُختبر الدول لا بحدة ردّها، بل بعمق اتزانها. واليمن بحساسيته الجيوسياسية وتداخل أطرافه وتحوّلاته السريعة يمثل نموذجًا حيًا لهذا الاختبار، خصوصاً مع موجات تصعيد وتغيّرات ميدانية وسياسية لافتة خلال الأسابيع الأخيرة. وقد أشارت تقارير دولية إلى احتدام الأزمة في الجنوب وتبدلات داخل مؤسسات الشرعية المعترف بها دوليًا، بما في ذلك قرارات قيادية عكست حجم الضغط وتعقيد المشهد.


وسط هذا الضباب، يبرز نهج دولة الإمارات بوصفه نهجًا "مؤسسيًا" قبل أن يكون موقفًا "لحظيًا": نهج يوازن بين الأمن الإقليمي، واحترام السيادة اليمنية، والحفاظ على قنوات التهدئة، دون الوقوع في فخ التصعيد الإعلامي أو الاستثمار في الاستقطاب. ومن هنا يجب التأكيد أن الموقف السياسي الحكيم، والإعلامي الثابت والمنضبط لدولة الإمارات تجاه التطورات الأخيرة في اليمن، يُحسب للقيادة والمؤسسات الإماراتية.


من أبرز سمات الحكمة السياسية أنها لا تتغير بتغير العناوين، بل تُدار عبر مرجعية ثابتة: احترام الدول، دعم الاستقرار، وتغليب الحلول السياسية على منطق المغالبة.


وفي هذا الإطار، شددت وزارة الخارجية الإماراتية على أن وجود الإمارات في اليمن جاء ضمن الأطر الرسمية وبطلب من الحكومة اليمنية الشرعية وفي إطار التحالف، مع التأكيد على احترام سيادة اليمن، وارتباط الدور بمقاصد استعادة الاستقرار ومكافحة الإرهاب.


كما صدر توضيح رسمي من وزارة الدفاع يؤكد أن الوجود العسكري الإماراتي النظامي في اليمن اختُتم منذ 2019 بعد استكمال المهام المتفق عليها، وأن ما تبقى كان محدودًا ومتخصصًا ضمن جهود مكافحة الإرهاب وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين.


هذه اللغة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا؛ بل مؤشر على "عقل الدولة": تعريفٌ دقيق للدور، وحدودٌ واضحة للمسؤولية، وإطارٌ معلن يحدّ من التأويلات، ويمنع تضخم السرديات المتنافسة.


الميزة الفارقة في السياسة الحكيمة أنها تشتغل على "مخرج" للأزمة قبل أن تتفاقم، لا على "مكاسب" داخلها. ومن هنا جاء النداء الإماراتي الصريح إلى اليمنيين بضرورة إعلاء الحكمة وضبط النفس ووقف التصعيد، والعودة إلى الحوار بوصفه المسار الأقل كلفة والأكثر عقلانية لحماية اليمن ووحدته الاجتماعية، وتجنيب المدنيين ثمن الانقسام.


ويتسق ذلك مع دعم الإمارات لمسار الحل السياسي عبر الأمم المتحدة؛ إذ رحبت سابقًا بجهود المبعوث الأممي المتعلقة بخارطة طريق لعملية السلام. كما أكدت الإمارات في بياناتها بالأمم المتحدة التزامها بمساندة حل سلمي "يمني–يمني" يفضي إلى الأمن والاستقرار والازدهار لليمنيين.


الحكمة ليست فقط في ما يُقال سياسيًا، بل في ما يُنجز إنسانيًا. فاليمن ما زال يواجه احتياجات إنسانية هائلة وفجوات تمويلية ضاغطة، وفق تحديثات الجهات الإنسانية. ومن هذا المنطلق، يبرز البعد التنموي والإغاثي الذي لا ينقطع كجزء من مقاربة الإمارات، وهذا الدور أكبر من أن يحصى، لكن على سبيل المثال أعلنت دولة الإمارات مؤخراً عن تقديم دعم بقيمة 1 مليار دولار لتنمية قطاع الطاقة في اليمن، في إطار جهودها المتواصلة في تعزيز التنمية المستدامة في اليمن وحرصها على توفير الحياة الكريمة للشعب اليمني الشقيق، كما قدمت خلال الأشهر الأخيرة مساعدات إنسانية عاجلة لصالح 960 أسرة تضررت من الفيضانات التي اجتاحت مناطق الساحل الغربي لليمن.


هذه الرسائل العملية تختصر فلسفة الإمارات في المنطقة: دعم الاستقرار لا يكون بالشعارات فقط، بل بتقوية مقومات الحياة اليومية، وتخفيف آثار الكوارث، وتعزيز فرص التعافي.


إن التطورات في اليمن متحركة ومعقدة، وقد تحمل معها موجات جديدة من التوتر السياسي أو إعادة التموضع. لكن ما يلفت في الموقف الإماراتي—كما عبّرت عنه بياناتها الرسمية—هو الثبات على ثلاثية واضحة: احترام السيادة، خفض التصعيد بالحوار، والالتزام الإنساني والتنموي.


وفي زمن تُستدرج فيه الدول إلى ضجيج المنصات، تحافظ الإمارات على ما يشبه "ميثاق دولة وطنية": عقلٌ حكيم في لحظة ساخنة، وإعلامٌ منضبط حين يعلو الصخب، وبوصلةٌ لا تتغير: أن الاستقرار هدف، وأن الإنسان أولوية، وأن الحكمة ليست موقفًا عابرًا، بل نهج دولة.