لم يتشكّل الدور السعودي في الجنوب العربي بوصفه امتدادًا لمسار تاريخي طويل، بل برز في مراحل متأخرة متأثرًا بتحولات إقليمية متسارعة أكثر من كونه نتاج تفاعل تراكمي مع البنية السياسية والاجتماعية للجنوب. وعلى خلاف قوى أخرى نسجت علاقتها بالجنوب عبر قرون من التفاعل التجاري والسياسي والثقافي والديني ، ظلّ الحضور السعودي محكومًا باعتبارات ظرفية، الأمر الذي حدّ من تشكّل خبرة مؤسسية معمّقة بطبيعة الجنوب وتعقيداته.
لقد تَرسَّخ الجنوب العربي ككيان جغرافي وسياسي وبحري وتجاري متماسك، وإن بصيغ أولية، قبل الانتداب البريطاني بزمن طويل. وبنت حضرموت وعدن والمهرة وسواحل الجنوب علاقات تجارية وثقافية واسعة مع العالم، شملت الهند وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا والخليج العربي وعُمان والحجاز وتهامة والبصرة وبريطانيا. هذا التاريخ يفرض ضرورة التمييز بين الجوار الجغرافي بوصفه معطى طبيعيًا، والحضور السياسي بوصفه فعلًا تاريخيًا تراكميًا، وهو ما لم يتوفر للمملكة في الجنوب.
منذ تأسيسها، انشغلت الدولة السعودية بترتيب أوضاعها الداخلية وبصراعاتها مع أئمة اليمن الزيدية، ثم مع الجمهوريين لاحقًا، حيث كانت فاعلًا مؤثرًا هناك، دون أن تمتلك في المقابل تصورًا استراتيجيًا واضحًا تجاه الجنوب العربي قبل ستينيات القرن الماضي. ولم يكن الجنوب يومًا ساحة نفوذ سعودي تقليدية، كما أن المحاولات المتأخرة للتأثير فيه قبيل جلاء البريطانيين لم تُكتب لها الفاعلية أو الاستمرارية.
بين عامي 1967 و1990، وُجد الجنوب كدولة مستقلة خارج الحسابات السعودية. وتعاملت الرياض مع الجنوب آنذاك بوصفه جارًا أيديولوجيًا مزعجًا أكثر منه شريكًا سياسيًا، دون استثمار سياسي حقيقي خلال مرحلة الحرب الباردة. وحتى التقارب المتأخر قبيل نكبة الوحدة اليمنية، لم يُحدث أثرًا ملموسًا، في ظل غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين.
وفي حرب 1994، لم يكن الدور السعودي حاسمًا، بخلاف أدوار إقليمية أخرى دعمت الطرف المنتصر. وبعد استئناف العلاقة مع نظام صالح، جرى التعامل مع الجنوب كملحق مهمل ضمن ما سُمّي بـ«الملف اليمني»، وهو ما شكّل خطأً بنيويًا تمثّل في اختزال الجنوب داخل معادلة صنعاء، والإصرار على دعم أنظمة مركزية شمالية على حساب الجنوب، وتجاهل خصوصيته السياسية والتاريخية، ما أدى إلى تراكم مظلومية جنوبية عميقة امتدت لثلاثة عقود.
بعد عام 2015، دخلت السعودية الجنوب بوصفه جزءًا من حرب، لا جزءًا من رؤية. واعتمدت على أدوات عسكرية وأمنية دون فهم عميق للبنية السياسية والاجتماعية الجنوبية، ما أدى إلى تصادم الرؤية السعودية مع واقع جنوبي تشكّل عبر حراك سلمي طويل، أنتج لاحقًا مقاومة منظّمة، وتنظيمًا ذاتيًا، وبناءً تدريجيًا للفعل المحلي.
في المقابل، لم يعد الصراع في الشرق الأوسط اليوم محصورًا داخل حدوده التقليدية. فالولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي باتوا ينظرون إلى ممرات الملاحة الدولية بوصفها خطوط تماس استراتيجية، تشمل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب، إضافة إلى سواحل شرق أفريقيا والقرن الأفريقي. في هذا السياق، لم يعد الجنوب مجرد جغرافيا هامشية، بل بات أحد مفاتيح أمن الطاقة والتجارة العالمية.
هنا تحديدًا، تبرز الفرصة التاريخية للسعودية. فالرياض، الساعية إلى تثبيت مكانتها كقوة إقليمية مسؤولة وركيزة للاستقرار، تحتاج إلى عمق بحري آمن، وشركاء محليين مستقرين، ونقطة ارتكاز خارج مناطق الاستنزاف التقليدية. والجنوب العربي، إذا ما جرى التعامل معه كشريك سياسي وأمني مستقل لا كملف تابع، يمكن أن يشكّل حائط صد أمام التمدد الإيراني أو أي طرف معادٍ آخر في البحر، ومنصة استقرار تحمي خطوط الملاحة، ونقطة توازن في مواجهة صعود قوى دولية تنافس النفوذ الخليجي في الموانئ والمضائق.
وفي عالم يتجه بسرعة نحو تعدد الأقطاب والمحاور، لم يعد ممكنًا إدارة الجغرافيا بعقلية الطوارئ أو ضبطها بأدوات القوة وحدها. فالجنوب العربي لا يُدار بالقوة ولا يُحكم بالطيران. ومن لا يملك جذورًا تاريخية في المكان يعجز عن فرض استقرار دائم، لكنه يستطيع، إذا أحسن القراءة، أن يبني شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة. هنا لا تكون السعودية وصية تاريخية على الجنوب، لكنها تملك فرصة نادرة لتتحول إلى شريك استراتيجي ذكي، إذا انتقلت من منطق الاحتواء إلى منطق الاعتراف، ومن إدارة الأزمات إلى بناء التوازنات، ومن التعاطي الأمني الضيق إلى رؤية جيوسياسية شاملة.
فالجنوب ليس عبئًا على الرياض، بل فرصة تاريخية ،إما أن تُستثمر عبر شراكة متكافئة تحمي الملاحة الدولية وتُثبّت الاستقرار الإقليمي،
أو تُهدر فتتحول الجغرافيا مرة أخرى إلى ساحة تنافس دولي مفتوح.
والفارق بين الخيارين لا تحدده القوة، بل حُسن القراءة.
*سياسي وباحث جيوإستراتيجي جنوبي،
مهتم بأمن الممرات البحرية والإقليم والتحولات في الشرق الأوسط