هل استوعب المجلس الانتقالي الجنوبي أن الحسم يبدأ من الوعي قبل الميدان؟ .. وأن معركة الجنوب اليوم هي، في جوهرها، معركة بناء إدراك وطني جامع؟
إن المشهد في الجنوب انتقل من مستوى الصراع العسكري والسياسي المباشر إلى مستوى أعمق وأكثر خطورة: مستوى الوعي الجمعي، حيث تتشكل قدرة الشعب الجنوبي على حماية مشروعه الوطني من محاولات التفريغ والاحتواء والالتفاف.
الوعي المطلوب اليوم هو وعي يفرّق بوضوح بين الهدف والوسيلة:
• الهدف: استعادة الدولة الجنوبية.
• الوسيلة: المجلس الانتقالي وبقية النخب السياسية، والأدوات العسكرية والإعلامية. ..فالوسائل قابلة للتقييم والمراجعة والنقد، أما الهدف فهو ثابت لا يجوز المساس به أو المساومة عليه.
إن المعركة الحالية في الجنوب هي معركة إدراك المواطن الجنوبي لطبيعة الصراع وأدواته وأهدافه الحقيقية. فأعداء الجنوب لم يعودوا يركّزون فقط على استهداف الجبهة العسكرية، بل انتقلوا إلى استهداف الوعي عبر حرب إعلامية منظمة و تضليل ممنهج و خلق أزمات معيشية خانقة و كذلك بث الإحباط واليأس وفقدان الثقة … وبذلك يصبح المواطن الجنوبي في قلب المعركة، سواء أدرك ذلك أم لا.
ولماذا الوعي؟ ثم الوعي؟ ثم الوعي؟ ..لأن المواطن الجنوبي هو الحاضنة الشعبية لأي مشروع وطني، وهو مصدر الشرعية لأي قيادة، وهو صاحب المصلحة الأولى في استعادة الدولة. لكنه في الوقت ذاته الحلقة الأكثر عرضة للاستهداف، لأن كسر إرادته يعني كسر المشروع بأكمله. ولهذا فإن توعية المواطن الجنوبي العادي لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية عاجلة.
في المقابل، فإن غياب الوعي يؤدي إلى سهولة اختراق المجتمع، وتحويل الغضب الشعبي نحو مسارات خاطئة، وتقديس الأشخاص بدل تقديس القضية، وهي كلها بيئة مثالية لإجهاض أي مشروع تحرري.
وهنا يبرز سؤال جوهري: أين هو دور المثقفين والإعلام والحركات الحقوقية؟ …إن عليهم الانتقال من موقع التبرير إلى موقع النقد المسؤول، ومن الكتابة الانفعالية إلى التحليل العميق، ومن تلميع الأخطاء إلى تفكيكها ومعالجتها بوعي وطني.
المعركة الحقيقية اليوم في الجنوب ليست فقط على الأرض، بل في العقول. ومن يكسب معركة الوعي، يكسب مستقبل القضية.
فالدول لا تُبنى بالبنادق وحدها، بل بالعقول التي تعرف لماذا تقاتل، وإلى أين تريد أن تصل.