آخر تحديث :السبت - 07 فبراير 2026 - 08:25 ص

اخبار وتقارير


إنذار الـ 90 يوماً.. كيف تحول مكتب محافظ عدن إلى "غرفة عمليات" لتصفية الترهل الإداري؟

الجمعة - 06 فبراير 2026 - 11:49 م بتوقيت عدن

إنذار الـ 90 يوماً.. كيف تحول مكتب محافظ عدن إلى "غرفة عمليات" لتصفية الترهل الإداري؟

عدن تايم /تقرير خاص /أنس عوض



يمثل الإصرار الذي أبداه المحافظ عبدالرحمن شيخ في لقائه مع كبير مستشاري الأمن والسلامة بالأمم المتحدة قبل أيام، حول "نقل مقار المنظمات الدولية إلى عدن" تحولاً جوهرياً في طبيعة الخطاب السياسي للسلطة المحلية؛ إذ لم يعد الأمر مجرد طلب لتسهيل الدعم، بل هو "معركة سيادة" تهدف إلى إنهاء حالة الارتهان الإداري والمالي لمناطق سيطرة الحوثيين.


ويقرأ هذا التحرك الواقع من زاوية اقتصادية بحتة، حيث إن وجود هذه المقار في عدن يعني تدفق السيولة النقدية، وتوفير آلاف فرص العمل، وضمان رقابة مباشرة على آليات صرف المنح الإنسانية بعيداً عن مقص الرقيب الانقلابي.


ويدرك المحافظ أن "شرعية العاصمة" لا تُكتسب بالاعتراف الدولي فحسب، بل بفرض الواقع المؤسسي الذي يجبر العالم على التعامل مع عدن كمنطلق وحيد للقرار السياسي والإنساني في البلاد.


وتكتمل هذه الرؤية بتأكيدات المحافظ على "توفير الضمانات الأمنية" للموظفين الدوليين، وهي رسالة ذكية تهدف إلى سحب الذرائع التي كانت تتعلل بها المنظمات للبقاء في صنعاء، المحافظ هنا لا يبيع وعوداً، بل يطرح "عقداً أمنياً وتنموياً" جديداً، يضع فيه السلطة المحلية في موضع الشريك الميسر لا السلطة البيروقراطية المعرقلة، وهو ما يعكس رغبة في تحويل عدن من "مدينة متلقية للمساعدات" إلى "مركز لإدارة الأزمات"، مما يمنح المدينة ثقلاً ديبلوماسياً مضافاً يعزز من مكانتها في أي تسويات سياسية كبرى قادمة في عام 2026.



*هندسة الحلول الخدمية وتفكيك "اقتصاد الطفيليات"*


وفي ملف الغاز والخدمات الأساسية، انتقل المحافظ من خانة "المشاهد" إلى خانة "المهندس" الذي يفكك الأزمة إلى عناصرها الأولية؛ فتشخيصه لمشكلة الغاز لم يتوقف عند حدود العجز في الكميات، بل امتد لضرب "مكامن الخلل" في سلاسل التوريد والرقابة، و مطالبته الصريحة بزيادة حصة عدن من "صافر" هي خطوة تهدف لإنهاء التمييز الجغرافي في توزيع الثروات، وضمان حصول المواطن على حقه الأساسي دون الخضوع لابتزاز السوق السوداء ليعكس وعياً عميقاً بأن استقرار السلطة المحلية يبدأ من "المطبخ"، وأن أي نجاح سياسي لا يلمسه المواطن في توفر أسطوانة الغاز أو استدامة التيار الكهربائي يظل نجاحاً هشاً لا يصمد أمام غضب الشارع.


وعلاوة على ذلك، فإن قرار المحافظ بتكليف مختص لمتابعة الملف "أولاً بأول" ورفع تقارير دورية، يعكس انتهاج أسلوب "الإدارة بالنتائج" (Result-Based Management)، وهو أسلوب يقطع الطريق على الوعود الفضفاضة فالمحافظ يسعى لخلق نظام رقابي "دائري" يربط المنشأة بالوكيل بالمحافظ، مما يجعل دائرة المسؤولية ضيقة وواضحة، ويصعّب من عمليات التهرب أو إلقاء اللوم على "جهات مجهولة".


وهذه الجدية في التعامل مع ملف الغاز والمياه (مشروع البرزخ) تعطي مؤشراً على أن عام 2026 سيكون عام "المشاريع المكتملة" وليس عام "حجر الأساس" الذي لا يتبعه بناء.


*ميثاق "المدنية"*


تعد الفقرة المتعلقة بـ "إخراج القوات العسكرية من عدن" هي الأهم في خطاب المحافظ لعام 2026، حيث وضع إصبعه على الجرح النازف الذي أعاق تنمية المدينة لسنوات.


وطرح المحافظ عبدالرحمن شيخ رؤية "عدن المدنية" ليس كمطلب حقوقي فحسب، بل كضرورة اقتصادية قصوى؛ فالمستثمر لا يبني مصانعه في ثكنة عسكرية، والمنظمات لا تنقل مقارها لمدينة تتقاسم شوارعها الوحدات القتالية.


ويمثل إصراره على أن تكون "التشكيلات الأمنية المختصة" هي وحدها المسؤولة عن السكينة العامة، خطوة جريئة نحو توحيد القرار الأمني تحت مظلة القانون، وهو ما يعيد لعدن هويتها التاريخية كمدينة "نموذج للتعايش" و"ميناء حر" بعيداً عن صخب السلاح.


وفي سياق موازٍ، جاءت لغة المحافظ مع منظمات المجتمع المدني لترسيم "عقد اجتماعي جديد"، حيث منحهم دور الشريك الرقيب والمساهم في التنمية، لكنه في الوقت ذاته وضع سقفاً زمنياً حازماً (ثلاثة أشهر) لتقييم أداء الجهاز الإداري.


و هذه "المهلة" التي منحها للمسؤولين بالمنظمات وايضا (لمختلف القطاعات) تعكس روحاً ثورية في الإدارة؛ فهي تنهي حالة "الاسترخاء الوظيفي" وتضع الجميع أمام خيارين: إما الإنجاز الذي يخدم المواطن، أو إخلاء الكرسي للأكفأ.


وهذه الصراحة في القول بأن "الدول لا تُبنى بالشعارات" هي بمثابة نقد ذاتي للمنظومة الإدارية السابقة، ودعوة للعبور نحو مرحلة "المؤسسية الصارمة" التي تقدس العمل وتنبذ العشوائية.


*تنمية الاستدامة والنمو*


وكما يبدو، لم تكن تحركات المحافظ محصورة في معالجة إخفاقات الماضي، بل امتدت لبناء ركائز المستقبل من خلال دعم "التعليم المهني" والتأهيل الأكاديمي، و لقاؤه بعميد كلية المجتمع يعكس إيماناً عميقاً بأن النهضة التي ينشدها لعدن في 2026 لن تقوم إلا بسواعد شبابها المسلحين بالمهن الحديثة، وليس فقط بالشهادات النظرية.


ويرى المحافظ في التعليم المهني "قاطرة التنمية" التي ستغذي المصانع والشركات التي يخطط لجذبها، مما يحول الشباب من عبء على الدولة إلى طاقة منتجة تساهم في الناتج المحلي للمدينة.


ويبرهن تكامل هذه التحركات مع نشاط الصندوق الاجتماعي للتنمية، والتركيز على استكمال المشاريع الاستراتيجية كمياه البرزخ بتمويل من الأشقاء في السعودية، على أن المحافظ يمتلك "بوصلة تنموية" دقيقة، فهو يتحرك في مسار "التمكين" عبر التعليم، ومسار "التشييد" عبر مشاريع المياه والطاقة، ومسار "التنظيم" عبر الهيكلة الإدارية والأمنية في مزيج احترافي من التحركات في يوم واحد ليعطي انطباعاً بأن عبدالرحمن شيخ لم يأتِ ليشغل منصباً، بل جاء لينفذ "مشروع إنقاذ وطني" يبدأ من عدن ليكون نموذجاً يُحتذى به في بقية المحافظات، واضعاً مصلحة المدينة فوق كل الاعتبارات السياسية الضيقة.