آخر تحديث :الأحد - 15 مارس 2026 - 05:38 م

كتابات


الوقفة الأخيرة مع الصديق مصطفى نعمان

الأحد - 15 مارس 2026 - 04:44 م بتوقيت عدن

الوقفة الأخيرة مع الصديق مصطفى نعمان

كتب/د.عيدروس نصر النقيب

لقد تمنيت أن تتوقف مناقشاتي مع الصديق مصطفى نعمان عند الوقفات الثلاث الماضية، لكن الكثير من المطبات (المتعمدة) التي أوقع مصطفى نفسه فيها، تجبرني على مواصلة كشف ما في أحاديثه من خطل وخداع ومغالطات هو يعلم أنه لم يكن فيها على صواب.

و. فمن بين أطرف ما تعرض له الأخ مصطفي قوله بأن المجلس الانتقالي بقيادة اللواء عيدروس الزبيدي لا يمثل كل الجنوبيين، وهو كلام ظللنا وما نزال نسمعه منذ العام 2007م عند انطلاق ثورة الحراك السلمي الجنوبية، حينما كان يقال عن ناشطي الحراك السلمي الجنوبي إنهم لا يمثلون كل الجنوبيين، وقال البعض هؤلاء الذين فقدوا مصالحهم وأضاف آخرون بأن هؤلاء هم عملاء الخارج يستلمون مكافآت من "أعداء الوطن" ليقوموا بـ"أنشطتهم التخريبية" ضد (الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية).

وللأمانة فإن أحداً لم يقل إن المجلس الانتقالي الجنوبي (الذي لي شخصياً عشرات الملاحظات على مستوى أدائه وعلى بعض سلوكيات بعض المحسوبين عليه) لم يقل أحدٌ إنه يمثل كل الملايين الستة ونيف من الجنوبيين، لكن الأيام الأخيرة بما تضمنته من فعاليات جماهيرية شارك في كل منها مئات الآلاف من الناشطين وفي كل محافظات الجنوب تبين أن لا حزب المؤتمر بأمواله ومشائخه وأنصاره من القادة العسكريين والقبليين، ولا حزب الإصلاح بمليارات قادته ومؤسساته الاستثمارية العملاقة ومفتييه (من العلماء أصحاب اللحى الطويلة) ومليشياته المسماة بــ"الجيش الوطني" وقنواته الفضائية وآلاف مغرديه ومفسبكيه ولا رشاد العليمي بكل غطرسته وسلطاته التي يفترض أنه يتمتع بها، ومهاراته الاستخباراتية والأمنية ودعم الأشقاء له، ولا أي حزب يمني آخر يستطيع أن يحشد من الأنصار رُبُعَ أو خُمُسَ ما يحشده المجلس الانتقالي بتغريده من رئيسه اللواء عيدروس الزبيدي، رغم الحصار والتعتيم الإعلاميين وحروب الشيطنة والتخوين وحملات التحريض ضد المجلس الانتقالي ورئيسه من قبل القادة السياسيين والإعلامين ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة لهم.

لكن الرد على سؤال الأخ مصطفى يمكن أن يكون بسؤال آخر وهو: هل أنت متأكد أن حضرتك ومعك رشاد العليمي (وكل أنصاركما في الحكومة ومجلس القيادة والقيادات العسكرية والدينية والحزبية والقبلية) تمثلان كل اليمن شمالاً وجنوباً، عفواً أقصد كل الشعب الشمالي، أو حتى كل محافظة تعز، لا بل هل أنتما واثقان بأنكما تمثلان منطقتي المواسط وذبحان؟ فإن أجبت بـ"نعم" فأرجوكما أن تحشدا ألفي متظاهر من منطقتيكما (وليس مئات الآلاف كما يفعل أنصار المجلس الانتقالي) للتعبير عن التأييد لكما وليس لمواجهة الحوثيين وتحرير محافظتكما، وإن أجبت بــ"لا" فأنصحك بعدم مطالبة غريمك بما لا تستطيع القيام به من التحديات.

هـ. أما القول بأن الفعاليات (المليونية) الجنوبية تعبر عمن فقدوا مصالحهم، فهذا ما لا يمكن دحضه بل إنه يكشف عن حقيقة أن الذين فقدوا مصالحهم يقارب عددهم الستة ملايين جنوبي، وهم لا يشاركون كلهم في فعاليات الاحتجاج في عدن وبقية المحافظات، لكن المصالح التي نتحدث عنها ليست تلك التي تعنيها يا مصطفى، أو التي ستفقدونها ذات يوم أنت ورشاد العليمي ومن يؤازر طرحكما، وهذا ما يمكن التوقف عنده في مناسبة قادمة.

لكن الأخ مصطفى وفي مكان آخر يقول إنه يعرف كيف يتم الإعداد للمسيرات والوقفات الاحتجاجية ويقولها حرفياً "إعطي خمسة آلاف ريال لواحد وهو يروح يحرق".

من المؤسف أن مسؤول حكومي محسوب من العقلاء في سلطة رشاد العليمي، ينظر إلى الأمور بهذه الخفة والتسطيح والتبسيط، ويتصور أن كل الشعب الجنوبي يتظاهر مع من يدفع له خمسة آلاف ريال، لكن وكما قال أحد متابعي أحاديث الأخ مصطفى "طالما عرفتم طريقة حشد الناس وإقامة المليونيات، لماذا لا تقطعوا الطريق على المجلس الانتقالي، وتعطون كل متظاهر من المتظاهرين ستة آلاف بدلا من الخمسة آلاف التي يأخذها من الانتقالي، وتخطفونهم إلى صفكم، وتقيمون بدلاً من المليونية عشرات المليونيات المؤيدة لكم"؟

يا صديقي يا مصطفى!

الذين يشاركون في فعاليات الاحتجاج ومسيرات التأييد للمجلس الانتقالي ليسوا كمشائخ طوق صنعاء، فهم لا يفعلون هذا مقابل الريالات التي تتحدث عنها، ويبدو أنك لم تعد تعرف ما قيمة الآلاف الخمسة من الريالات التي لم تعد تكفي لثمن لتري بترول أو لتناول وجبة عادية لشخص واحد في مطعم شعبي، . . . الذين يشاركون في الفعاليات الاحتجاجية يفعلون هذا لأن لديهم قضية هي قضية شعب ودولة ووطن وهوية وتاريخ، وهي قضية قدم الجنوبيون في سبيلها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، لكنكم لا تحسبون حسابا لهذه الدماء والأرواح مثل حسابكم لبضعة آلاف من الريالات اليمنية.

و. يقول الأخ مصطفى إنه لا يمكن شن الحرب على الحوثي والذهاب لتحرير العاصمة صنعاء في ظل الفراغ القائم في الجنوب، والتفسير المبسط لهذا التعبير إنه لا يمكننا تحرير صنعاء واستعادة الدولة التي خطفها الحوثيون قبل بسط السيطرة الكاملة على الجنوب.

ومهما يبدو من تناقضٍ بين هذا القول وقول الأخ مصطفى السابق بأن "الوحدويين الشرعيين والوحدويين الحوثيين" يجب أن يتوحدوا في وجه الانفصاليين الجنوبيين، أقول إنه وبرغم هذا الاختلاف الظاهري، فإن الأمر الجوهري في الحالتين هو أن الأطراف الشماليية، بتوجهاتها المختلفة، القومية والدينية والليبرالية والمذهبية والقبلية العسكرية والمدنية، قد تختلف فيما بينها في كل شيء لكنها تتفق حينما يتعلق الأمر بالجنوب وإعادة احتلاله .

ومع ذلك يمكننا القول للأخ مصطفى بعد كل التطورات التي جرت على الساحة الجنوبية وسيطرة سلطات رشاد العليمي وأنصاره على كل الجنوب، ها قد سيطرتم على الجنوب وملأتم الفراغ الذي كنتم تتحدثون عنه، فما الذي تنتظرون لتنطلقوا نحو تحرير صنعاء وهزيمة الجماعة الحوثية؟

ز. هناك الكثير من التفاصيل التي خاض فيها الأخ مصطفى أثارت إعجاب الكثير من السطحيين والحمقى وبعض الموتورين، وأصحاب شعار "الوحدة أو الموت" و"الوحدة المعمدة بالدم"، كقوله أنه أثناء رئاسة الفريق هادي وحكومة بن دغر قال لعيدروس الزبيدي أن يطلب الانفصال منهما كقائدين جنوبيين، وهو يعلم أنهما كانا يمثلان الجمهورية اليمنية (جمهورية 1994م) ولم يكونا يمثلان الجنوب، وأنهما كانا مجرد موظفين عند مراكز القوى النافذة من أساطين 1994م، موظفين بدرجتي رئيس جمهورية ورئيس وزراء، وها قد تم التخلص منهما بعد الاستغناء عن خدماتهما، ومصطفى خير من يعلم هذه الألاعيب العبثية، لكن بعض الأذكياء يتعمودون اللجوء إلى التسطيح والاستغباء لمخاطبة الرعاع الذين يسجلون الإعجابات دونما اكتراث لحقيقة القول أو زيفه.

ومثل هذا قوله أن الكثيرين من الجنوبيين يشكون من قلة حصة الجنوب في السلك الدبلوماسي حيث يقول ما معناه أنه خاطب هؤلاء بالقول " قدم لوزارة الخارجية وادخل المنافسة وروح السلك الدبلوماسي" وكأنه أراد أن يقول لنا إن أولاد بن دغر وعبد الملك المخلافي والمقدشي والتجييش الذي جرى على السقارات والملحقيات والقنصليات أثنا توزير المخلافي والحضرمي وغيرهما في العام 2016 وما بعدها، إنما تم من خلال المنافسة واتباع معايير الأفضلية والتقاليد الوظيفية المتبعة في كل السلك الدبلوماسي في العالم، أو كأنه لم يسمع عن المذبحة الدبلوماسية التي تلت حرب 1994م بحق الدبلوماسيين الجنوبيين حيث تقلصت حصة الجنوب من 50% من مجموع السلك الدبلوماسي لدولة 1990م إلى أقل من 4% وأحيل المئات من السفراء والملحقين والقناصلة والقائمين بالأعمال الجنوبيين إلى التقاعد الإجباري انتقاما من الجنوب وليس لأي سبب من الأسباب.

الحديث يطول ويطول لكن ملخص القضية أن أي رهان على أي "عاقل" أو "مثقف" من أتباع الشرعية الهاربة، هو رهان خاسر، لأن مجرد جلوسه على كرسي الوظيفة يجعله ينسى مدنيته وتقمصه لدور المثقف ويتحول إلى ديكتاتور ناعم يبتسم برقة ووداعة لكنها الابتسامة المسمومة بزيف الادعاء ونعومة التضليل والخداع والاستغباء.