آخر تحديث :الجمعة - 17 أبريل 2026 - 12:24 ص

كتابات


الوفد الجنوبي بالرياض: بين متاهة تفريخ المكونات واكتشاف صدمة المؤامرة

الخميس - 16 أبريل 2026 - 10:52 م بتوقيت عدن

الوفد الجنوبي بالرياض: بين متاهة تفريخ المكونات واكتشاف صدمة المؤامرة

كتب / د. أمين العلياني

مضى الوفد الجنوبي إلى الرياض، تحدوه آمال عراض، وتثقل خطاه أصداء الدماء الزكية التي أراقها طيران العدوان السعودي في بطون الأودية بحضرموت والمهرة؛ دماء سفكت تحت حجج واهية؛ تارة باسم الذود عن الأمن القومي من المشروع الصهيوني الذي تتبناه الإمارات عبر قوات المجلس الانتقالي- وفق سرديتهم-، وتارة أخرى باسم الحفاظ على المركز القانوني للشرعية المرهونة للوصاية السعودية نفسها، وكأن الدماء الجنوبية ثمن بخس يدفع في مزادات التحالفات المتصدعة! وكأن حضرموت ليس جنوبية ولا تهم الرئيس عيدروس الزبيدي ما كان حاصل من عبث بالملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية في حضرموت.


لم يرحل الوفد إلى الرياض ليسأل عن استعادة دولة الجنوب؛ فتلك قضية حسمها الشعب بخياراته الحرة وتضحياته الجسام، وخطها بمداد دمائه على صفحات النضال لثلاثة عقود؛ إنما ذهب -في ظاهر الأمر- ليتحاور حول كيفية نظام الحكم ودستور دولة الجنوب، تحت رعاية مملكة تقمصت دور الوسيط والوصي معًا، وكان الحوار -في ظنهم- سمة حضارية وضرورة عصر، لا تنازلًا عن حق ولا تفريطًا في سيادة.


وما إن وطئت أقدامهم تراب الرياض، حتى أدخلوا في دهاليز من الوعود المغلقة، وزين لهم أن سقف حوارهم السماء في طرح تصورات نظام الحكم ودستور دولة الجنوب، وتحت تأثير هذا الوهم المغري، خرجت من الوفد ديباجة غادرة تدعو إلى حل المجلس الانتقالي الجنوبي؛ ذاك الكيان السياسي الذي جاءوا تحت لوائه، وانطلقوا مفوضين باسمه. ومن هنا بدا المشهد عبثيًّا بكل مقاييس المآسي: وفد يذهب للتفاوض باسم كيانه، ثم يقدم -في غمرة وعود عاطفية- على الإجهاز على ذلك الكيان نفسه، ظانًّا أنه بذلك يشتري رضى الوسيط السعودي ويمتثل لشروطه غير المعلنة!


وفي تلك الأثناء، وبين لقاءات الأمير خالد بن سلمان التي تفيض وعودًا بسقوف مفتوحة وآفاق رحبة، ظل وجدان الوفد معلقًا بين سماء موهومة وأرض واقعية يدمى فيها جسد الشعب، ويستهدف كيانه السياسي في الصميم. وسرعان ما بدأ المشهد يتكرر: مقابلات شخصية ورسمية يخرج فيها بعض أعضاء الوفد ليصرحوا بأن الرئيس عيدروس الزبيدي قد عرض المشروع الجنوبي للخطر بدخوله حضرموت والمهرة دون تنسيق مع المملكة العربية السعودية، وأن المجلس يدير بعقلية مركزية من الرئيس نفسه. وكان ذلك تبرؤ بائس من الرئيس الزبيدي، وإلقاء بالتبعة على عاتقه، مقابل وعود عاطفية بدأ قناعها يتساقط يومًا بعد يوم، ليتكشف للوفد أنه واقع تحت عباءة كلام مخابرات لا اتفاقيات ملزمة.


إنهم يعلمون -حق العلم- أن من نقض اتفاقيتي الرياض الأولى والثانية، وشخط جبين الرأس وعدًا، ثم عاد ليقول: سقف حواركم السماء، هو نفسه من يدير اليوم طاحونة الوعود الخادعة وهو ذاته من نقض الاتفاقيات السابقة. وهكذا بدأت طاحونة المخابرات تتكشف لهم، ليدركوا أن الوعود المزعومة ما هي إلا إعادة إلى المربع الأول؛ مربع النظر في كيفية استعادة الدولة لا مناقشة نظام الحكم ودستور الدولة، وما ظهور المكونات الكرتونية المفرخة في مختبرات المخابر إلا فصل من فصول المهزلة، ومشهد من مشاهد الفخ الذي بدأ الوفد يستشعر حلقاته تغلق حول العنق شيئًا فشيئًا.


لقد كان قرار الرئيس عيدروس الزبيدي صادقًا حين قال: إن من نقض الاتفاقيات السابقة لن يكون حليفًا صادقًا في وعود أخرى ملتزمًا بها؛ فالرياض التي رعت الاتفاقيات هي نفسها الرياض التي نقضتها، وتلك طبيعة سياسة لا تعرف إلا لغة المصالح المتلونة والولاءات المتقلبة. وما هيكلة القوات الجنوبية ومحاولة إفراغ عدن من قواتها إلا محاولة مكشوفة لإضعاف المجلس الانتقالي في عقر داره، ناهيك عن عودة القوات اليمنية إلى حضرموت والمهرة، وإخراج قوات العمالقة من شبوة. وكل هذا يجعل المشروع الجنوبي في حالة من الضعف لا يقدر معها على طرح الرؤى التي راح من أجلها، بل يجبر على البدء من نقطة الصفر؛ نقطة إعادة النظر في قضية استعادة دولة الجنوب، لا مناقشة موضوع نظام الحكم ودستور الدولة.


ومن هنا، فإن على الوفد اليوم -إن كان قد استيقظ ضميره من سبات الوعود- أن يظهر ولاءه الصادق للمجلس الانتقالي الجنوبي وحواضنه الشعبية، وأن يقف بصوت الشعب المدوي في وجه المهزلة التي تحاك اليوم من قبل سلطة الأمر الواقع في عدن. تلك السلطة التي وجهت سهام القمع والقتل ضد المتظاهرين والأوامر الكيدية نحو القائم بأعمال الأمين العام للمجلس الأستاذ وضاح الحالمي، والقائم بأعمال الجمعية الوطنية الأستاذ نصر هرهرة، والقائم بأعمال الهيئة السياسية الأستاذ شكري باعلي وآخرين. أوامر خاطب بها مدير أمن عدن النائب العام بتوجيه من وزير الدولة محافظ العاصمة عدن.


والمصيبة الكبرى -والخطب الجلل- لو كانت هذه الأوامر صادرة بتوجيه من الذي يتزعم وفدكم، أو ممن يمثله في قصر معاشيق، حينئذ يكون المجلس الانتقالي الجنوبي قد قتل بأيديكم في الداخل، بعد أن ذبحتموه في بيانكم المزعوم بالحل تحت وعود عاطفية. ذبحتموه من الوريد إلى الوريد في صحائف الإعلام، واليوم تحاولون قتله في أزقة عدن ومقرات قياداته الميدانية. لقد أصبح المجلس اليوم لا يستمد قوته من تمثيلكم، بل من حراك الشعب الغاضب المنتفض ضد العبث الحاصل في المشروع الجنوبي التحرري على أيدي الوصاية.


فهل آن الأوان أن ترفعوا وصاية القمع عن قياداتكم الميدانية، وأن تقولوا للسعودية كلمة الحق والصدق؟ قولوا لها إن الرئيس عيدروس الزبيدي -رمز المشروع الجنوبي التحرري- لا ولن ولم يكن هناك استقرار إلا بالحوار معه. فلا يمكن أن تقدر لغة الوصاية على إسقاط رمزية قائد هذا المشروع وفق مصالحها، بل وفق مصالح الشعب الذي فوضه وائتمنه على دمه وقضيته.


إن طاحونة المؤامرة قد دارت رحاها، ومتاهة تفريخ المكونات قد بانت معالمها، وصدمة الاكتشاف قد وقعت. فلا تكونوا أنتم آخر من يفيق من الوهم، وأول من يدفع ثمن العبث الحاصل اليوم بمشروعكم وقواتكم صمام أمان امشروعكم الجنوبي التحرري. عودوا إلى صف الشعب، وإلى ظهر قائدكم، فإن الحقيقة المغيّبة في دهاليز السياسة ستشرق شمسها، ولن تحجبها غيوم الوصاية ولو تراكمت فوق سماء الرياض سحائب السوء والغدر.