لم يعد التشظي الذي أصاب الجنوب مقتصرًا على المجلس الانتقالي وحده، بل امتد ليطال البنية السياسية الجنوبية بأكملها، حتى أفضى إلى جنوبٍ أكثر تفرقًا، وأضعف تماسكًا، وأقل قدرة على تمثيل نفسه كشريك سياسي فاعل في أي تسوية تخص مستقبل اليمن.
وبفعل هذا المسار، تراجع موقع الجنوب من طرفٍ يفترض أن يكون شريكًا في صياغة الحل، إلى ساحةٍ يجري ترتيبها من الخارج، وإعادة تشكيل توازناتها من الداخل، على نحو يُفقدها القدرة على حماية مصالحها أو فرض أولوياتها.
وفي هذا السياق، فإن القوى التي ستعود إلى الداخل الجنوبي، بعد أن أُعيد تشكيلها وتكييف حضورها تحت مسميات متعددة، لا تبدو مهيأة للقيام بدور توافقي يعزز الاستقرار، بقدر ما تبدو مرشحة لأن تتحول إلى أدوات صراع، ووقودٍ لفتنة سياسية ومجتمعية قد تعصف بما تبقى من تماسك الجنوب.
وفي موازاة ذلك، تتسارع عملية إعادة تأهيل قوى ما قبل الحرب، وفي مقدمتها الإصلاح وواجهات سياسية رديفة ومنها تيار المؤتمر الشعبي المتحالف معه، ليتقدم مجددًا إلى واجهة المشهد، بهدف اعادة إنتاج منظومة النفوذ القديمة بصياغة جديدة. لينخرط في تمرير مسار المصادقة على خارطة الطريق، والتوقيع على اتفاق تسوية الازمة اليمنية.
وما يضاعف خطورة هذا المسار أن التسوية المطروحة لا تتجه نحو بناء سلام متوازن أو شراكة عادلة، بقدر ما تمضي نحو إعادة توزيع السلطة والثروة، بما في ذلك ثروات الجنوب، ضمن ترتيبات تعيد تمكين مراكز النفوذ التقليدية، وتمنح القوى المرتبطة بصنعاء، بما فيها الامتدادات العقائدية والسياسية المتصلة بمشروع ملالي قم، موقعًا متقدمًا في معادلة ما بعد الحرب.
إن ما يجري لا يبدو مسارًا لتسوية حقيقية، بقدر ما يمثل إعادة إنتاج كارثية لمشهد ما بعد 2015، حين أُعيد تدوير القوى ذاتها، وأُعيد تسويقها كجزء من الحل، بينما كانت في جوهرها أحد أسباب الأزمة. وقد أدرك الرئيس هادي متأخرًا طبيعة هذا المسار، لكن بعد أن كانت كلفته السياسية قد استُنزفت، وانتهى الأمر بإقصائه.