في ضوء ما آلت إليه اللقاءات والمشاورات الأخيرة، يتأكد أن التحذيرات التي طرحناها سابقًا لم تكن مبالغة، بل قراءة مبكرة لمسار مقلق يعيد هندسة الواقع الجنوبي على نحو لا يخدم استقراره ولا يعزز موقعه كشريك في أي تسوية سياسية قادمة.
فما يجري اليوم يمتد من الخلل في توصيف هذه اللقاءات، إلى تشظية التمثيل، وصولًا إلى الدفع نحو تفكيك الجنوب إلى وحدات جغرافية وسياسية صغيره يُتعامل معها بشكل منفصل. وهذا التحول إلى مشاورات محلية مجزأة لا يعكس معالجة للاختلالات، بل يعمّق الانقسامات على أسس ضيقة.
إن إعادة المكونات إلى محافظاتها لإجراء مشاورات منفصلة يهدد بإحياء الهويات الجزئية على حساب الهوية الجنوبية الجامعة، ويغذي تنافسًا قد يتحول إلى صراع، في ظل غياب رؤية واضحة تضبط المسار. وهو نهج لن يقود إلى توافق، بل إلى مزيد من التفكك.
وفي المقابل، تُبذل جهود لتجميع قوى الشمال وتوحيدها، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: لماذا يُدفع الجنوب نحو التفكيك بينما يُدفع الشمال نحو التوحيد؟
هذا التباين يوحي بأن ما يجري يتجاوز كونه خطأ في الإدارة، ليصبح مسارًا يعيد ترتيب موازين القوى لصالح قوى الشمال التقليدية، وبما يلتقي مع مصالح سلطة الأمر الواقع في صنعاء التي تستفيد من جنوب منقسم.
إن هذه الحركة، رغم تغليفها بشعارات توسيع المشاركة، تعيد إنتاج نهج إقصاء الجنوب وتهميش قضيته، وهو نهج أثبت فشله ولم يفضِ إلا إلى تعميق الأزمات.
إن الاستمرار في هذا المسار لن يقود إلى سلام، بل إلى خيارات أكثر كلفة على الجنوب واليمن والإقليم. فإضعاف الجنوب لا يصنع تسوية عادلة، بل يؤسس لاختلالات قادمة.
وعليه، فإن تصحيح المسار ضرورة ملحّة، تبدأ بوقف النهج التجزيئي، والعودة إلى حوار جنوبي قائم على تمثيل حقيقي وأهداف واضحة.
ومن المؤكد فإنه وعلى خلاف ما يُخطط له، فلن تمضي الأمور بالاتجاه الذي يريده خصوم القضية الجنوبية. فالتجارب أثبتت أن محاولات إضعاف الجنوب غالبًا ما تُنتج ردود فعل عكسية تعزز التماسك الداخلي.
ومن المرجح أن يُفضي هذا المسار، بدلًا من إضعاف المجلس الانتقالي، إلى تعزيز مكانته بوصفه إطارًا سياسيًا جنوبيًا جامعًا، يزداد الالتفاف الشعبي حوله كرد فعل منطقي كلما تصاعدت محاولات تجاوز الجنوب أو تقويض جهوده لتوحيد ارضه وصفوفه. إذ سيجد قطاع واسع من الجنوبيين في المجلس الانتقالي تعبيرًا عن تطلعاتهم في الحفاظ على وحدة أرضهم، وصون هويتهم السياسية، والدفاع عن حقهم في تقرير مصيرهم.
وبذلك، فإن الضغوط ومحاولات التفكيك قد تتحول إلى عامل توحيد، يعيد ترسيخ القناعة بأن وجود إطار سياسي قوي ومتماسك لم يعد خيارًا، بل ضرورة لمواجهة التحديات وصياغة مستقبل الجنوب وفق إرادة أبنائه.
ويبقى السؤال الحاسم:
هل الهدف بناء شراكة عادلة، أم إعادة إنتاج معادلات مختلة بثوب جديد؟