آخر تحديث :الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 12:06 م

اخبار وتقارير


معضلة المشتقات النفطية بين حسابات التوتر الدولي وفاتورة الاستيراد الصافي في اليمن (تقرير)

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 11:42 ص بتوقيت عدن

معضلة المشتقات النفطية بين حسابات التوتر الدولي وفاتورة الاستيراد الصافي في اليمن (تقرير)

عدن تايم/ خاص

تشهد أسواق الطاقة العالمية موجة من الاضطرابات العنيفة التي ألقت بظلالها على أسعار المشتقات النفطية وخاصة الديزل والبترول حيث تقف وراء هذا الارتفاع المتسارع جملة من الأسباب الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة ويأتي في مقدمة هذه الأسباب اندلاع الصراعات العسكرية والتوترات الساخنة في مناطق الإمداد الحيوية والتي أدت إلى فرض قيود على بعض موانئ التصدير وضغوط على خطوط الملاحة البحرية التي تعد الشريان الأساسي لتدفق الطاقة العالمي هذا التهديد المباشر لأمن الملاحة أثار ذعراً واسعاً في الأسواق الدولية وضاعف من كلفة التأمين والشحن البحري بشكل غير مسبوق بالإضافة إلى استمرار العقوبات الدولية والتحولات في خطوط الإمداد التقليدية مما خلق ضغطاً هائلاً على معروض المواد البترولية عالمياً ورفع أسعار النفط الخام إلى مستويات قياسية تأثرت بها فوراً السلع المشتقة والوقود الجاهز.




معضلة التكرير وأسباب صمود الأسعار المرتفعة أمام محاولات التهدئة


​ورغم وجود مراهنات وتوقعات سابقة بحدوث وفرة في المعروض أو تراجع مؤقت لحدة الأزمات إلا أن أسعار المشتقات النفطية لم تنخفض حتى الآن بل ظلت متمسكة بمستوياتها المرتفعة ويعود ذلك أساساً إلى أن الأزمة الحالية انتقلت بشكل مباشر وعميق إلى سوق المنتجات المكررة وليس النفط الخام وحده حيث تعاني المصافي العالمية من ضغوط شديدة وتراجع في قدراتها التكريرية بسبب كلفة التشغيل المرتفعة ونقص المواد اللوجستية مما أبقى هوامش التكرير عند مستويات تاريخية تجعل الديزل والبترول أغلى ثمناً مقارنة بالخام كما أن المخاوف المستمرة من تجدد المواجهات واستمرار الاضطرابات يمنع الأسواق من استعادة توازنها بالإضافة إلى التأثيرات الكبيرة الناتجة عن خروج دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك وهو القرار الذي ساهم بشكل فعال في إعادة رسم سياسات الإنتاج العالمية وأحدث موجة من الارتباك أدت إلى زيادة الضغط على المعروض النفطي ورفع الأسعار عالمياً بشكل ملحوظ دون وجود بوادر قريبة للحل والتراجع.




​توقف التصدير وفاتورة الشراء بالعملة الصعبة تلهب الأسواق المحلية


​أما على الصعيد المحلي فإن الأسباب الحقيقية وراء الارتفاع لأسعار البترول والديزل في السوق اليمنية تعود في الأساس إلى توقف تصدير النفط الخام اليمني بشكل كامل نتيجة الهجمات والتهديدات المستمرة وتأخر استئناف التصدير من الموانئ الحيوية حتى الآن مما حرم البلاد من المورد الأساسي لتوفير العملة الصعبة وتسبب في انهيار تاريخي لقيمة العملة المحلية مقابل الدولار وبما أن اليمن يعتمد كلياً على الموردين والشركات الخاصة لاستيراد حاجته من الوقود من الخارج فإن الأسعار محلياً ترتبط طردياً بكلفة الشراء بالدولار مما يدفع الموردين إلى رفع الأسعار بشكل مستمر لتغطية كلفة الاستيراد والشحن والتأمين ولقد انعكست هذه الأزمة بشكل حاد بعد قيام دولة الإمارات برفع أسعار النفط في أسواقها المحلية لثلاث مرات متتالية وهو الأمر الذي أثر فوراً على كلفة الشحنات المستوردة وجعل المواطن اليمني يتجرع أعباء مالية مضاعفة طالت كلفة النقل والمواصلات وتسببت في قفزات جنونية بأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية وتدهور قطاع الكهرباء والخدمات العامة.




​غياب المصافي المحلية يضع اليمن تحت رحمة كلفة الوقود الصافي المكرر


​وما يضاعف من وطأة هذه الأزمة ويكشف عن خلل بنيوي حاد في التعامل مع هذا الملف هو أن اليمن لا يستورد نفطاً خاماً ليقوم بتكريره محلياً والاستفادة من الفوارق السعرية بل يعتمد بشكل كلي على استيراد مشتقات نفطية جاهزة وصافية من بنزين وديزل عالي الجودة من الأسواق الخارجية هذا الاعتماد الكلي على الوقود الصافي المكرر يجعل الاقتصاد اليمني مكشوفاً بالكامل أمام تقلبات البورصة العالمية وهوامش أرباح المصافي الدولية فالبلد لا يملك حالياً مصافي محلية عامة تعمل بكفاءة لتغطية الحاجة وتحويل الخام إلى مشتقات مما يعني أن اليمن يشتري الوقود بأعلى كلفة ممكنة في السوق الدولية ثم يضاف إلى هذه الكلفة العالية مصاريف الشحن المعقدة والتأمين ضد مخاطر الحرب التي تفرضها خطوط الملاحة على الموانئ اليمنية لتصل هذه المادة الحيوية إلى المستهلك النهائي بأسعار تفوق قدرة المواطن الشرائية بمرات كثيرة وتستنزف ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي الشحيحة لدى البنك المركزي ودون وجود أي خطوط دفاع اقتصادية تحمي السوق المحلية من الهزات الخارجية المتلاحقة.