مجريات الحرب الأخيرة مع إيران و الحصار البحري المتبادل في مضيق هرمز الآن يجعلنا نذهب إلى جوهر الأزمة فعلاً، لأنه لا ينظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر بحري، بل باعتباره “عقدة توازنات استراتيجية” يتقاطع فيها الأمن البحري، والاقتصاد العالمي، وبقاء الأنظمة السياسية، وإعادة تشكيل خرائط الطاقة الدولية،
النقطة الأهم في طرحك هي الانتقال من مفهوم “الإغلاق العسكري التقليدي” إلى مفهوم “الحرب الرمادية الممتدة”، وهذه بالفعل هي العقيدة الأقرب للسلوك الإيراني منذ سنوات، سواء في الخليج العربي أو في البحر الأحمر عبر الحوثيين. فطهران تدرك أن الإغلاق الكامل والواضح للمضيق سيمنح خصومها شرعية دولية لتوجيه ضربة عسكرية واسعة، بينما يمنحها “الخنق التدريجي” قدرة على إنهاك الاقتصاد العالمي دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكبرى.
وهنا تظهر معضلة شديدة التعقيد: إيران لا تحتاج فعلياً إلى إغلاق المضيق لكي تنتصر تكتيكياً، بل يكفيها أن تجعل العالم يشعر أن المضيق “غير آمن”. في الجغرافيا السياسية للطاقة، الخوف أحياناً أخطر من الإغلاق نفسه. مجرد ارتفاع احتمالات الخطر يؤدي إلى تضخم أسعار التأمين البحري، وإعادة توجيه السفن، وارتفاع أسعار النفط الآجلة، واضطراب سلاسل التوريد، وزيادة كلفة التجارة العالمية، أي أن إيران تستطيع تحويل المضيق إلى “سلاح اقتصادي نفسي” حتى دون معركة بحرية شاملة.
غير أن هذا التصور الإيراني يصطدم بمفارقة استراتيجية عميقة، تتمثل في أن الاقتصاد الإيراني نفسه يعتمد بدرجات كبيرة على الواردات الغذائية والمواد الصناعية والسلع الوسيطة القادمة بحراً، رغم خطاب “الاكتفاء الذاتي” الذي تتبناه طهران. ولهذا فإن أي تعطيل طويل للممرات البحرية لن يؤدي فقط إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية، بل قد يخلق ضغوطاً داخلية هائلة على الاقتصاد والمجتمع الإيراني، خصوصاً مع ارتفاع معدلات التضخم والعقوبات وتراجع قيمة العملة المحلية.
ولهذا يمكن فهم السلوك الإيراني باعتباره محاولة لإدارة “حافة الهاوية” لا القفز إليها. طهران تريد إبقاء التهديد قائماً، والحفاظ على الغموض، ورفع الكلفة على خصومها، لكن دون الوصول إلى لحظة الحرب البحرية الشاملة.
وهذا يقود إلى نقطة أعمق تتعلق بعلاقة مضيق هرمز بالبحر الأحمر وباب المندب. الملفان لم يعودا منفصلين، بل أصبحا مترابطين ضمن ما يمكن تسميته: “استراتيجية تطويق الممرات البحرية”. فإيران تدرك أن القيمة الحقيقية لهرمز لا تكمن فقط في النفط الخليجي، بل في كونه جزءاً من شبكة تجارة عالمية تمتد إلى باب المندب، وقناة السويس، وشرق المتوسط، والمحيط الهندي. ولهذا فإن أي تصعيد في هرمز غالباً ما يتزامن مع تصعيد في البحر الأحمر، لأن الهدف ليس فقط تعطيل الطاقة، بل إرباك حركة التجارة العالمية بأكملها.
ومن هنا تبدو الجماعات الحليفة لإيران، خصوصاً الحوثيين، جزءاً من منظومة ردع بحري غير مباشر. فالضغط على باب المندب يمنح طهران عمقاً استراتيجياً إضافياً، ويجعل الأزمة متعددة الجبهات، بحيث لا تستطيع القوى الغربية تركيز جهودها على هرمز فقط.
كما أن ما يجري اليوم يعكس تحولاً مهماً في العقيدة الأمنية والعسكرية لدول الخليج العربي. فالدول الخليجية لم تعد تركز فقط على “حماية الموانئ والمنشآت النفطية”، بل بدأت تتحول تدريجياً نحو بناء “شبكات استراتيجية بديلة” للطاقة والنقل والتصدير. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاعتماد الكامل على ممر بحري ضيق بات يمثل خطراً استراتيجياً طويل الأمد.
ولهذا شهدت السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في مشاريع خطوط الأنابيب، والموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز، ومشاريع الربط البري والسككي بين الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر المتوسط. وفي هذا السياق، تصبح ميناء الفجيرة، وميناء ينبع، وميناء الدقم وغيرها ممكن وخاصة في شرق اليمن محافظة المهرو او حضرموت، وهي ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل أدوات لإعادة توزيع القوة الجيوسياسية في المنطقة وتقليل الاعتماد على “عنق الزجاجة الإيراني”.
كذلك، فإن مشروع الربط بين الخليج العربي والبحر المتوسط عبر العراق والأردن ومصر، أو حتى مشاريع الممرات الهندية-الخليجية-الأوروبية، تعكس اتجاهاً عالمياً واضحاً: تقليل الاعتماد على “عنق الزجاجة الإيراني”.
ولا يقتصر تأثير أزمة هرمز على الولايات المتحدة ودول الخليج العربي فقط، بل يمتد بصورة أعمق إلى آسيا، التي تمثل الطرف الأكثر ارتباطاً بأمن المضيق. فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بدرجات كبيرة على نفط وغاز الخليج العربي، وأي اضطراب طويل في المضيق قد يؤدي إلى ارتدادات اقتصادية ضخمة داخل الاقتصادات الآسيوية نفسها. ولهذا فإن أزمة هرمز لم تعد مجرد أزمة إقليمية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن الطاقة الآسيوي وباستقرار الاقتصاد العالمي.
ومن هنا يمكن فهم تنامي الاهتمام الآسيوي بالممرات البديلة، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للموانئ وخطوط النقل والطاقة، باعتبارها جزءاً من استراتيجية بعيدة المدى لتقليل مخاطر الاعتماد على الممرات القابلة للتهديد العسكري أو السياسي.
كما أن ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان تجربة حرب الناقلات، حين أدى استهداف السفن التجارية وناقلات النفط في الخليج العربي إلى تدويل أمن المنطقة وتصاعد الوجود العسكري الأمريكي والغربي فيها. غير أن الفارق اليوم يتمثل في أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تشابكاً، وأن أي اضطراب كبير في هرمز أو باب المندب ستكون له انعكاسات أوسع بكثير مما كان عليه الحال خلال الثمانينيات.
أما النقطة الأكثر دقة في طرحك فهي المتعلقة بـ “التآكل الاستراتيجي البطيء” لأهمية المضيق. هذه فعلاً هي المفارقة التاريخية الكبرى: كلما استخدمت إيران ورقة هرمز بصورة أكثر عدائية، كلما دفعت العالم لتجاوز هرمز نفسه. وهنا نحن أمام تحول جيوسياسي قد يستمر لعقود، ويتمثل في إعادة رسم خرائط الطاقة، وإنشاء ممرات بديلة، وبناء خطوط أنابيب عابرة للقارات، وتعزيز الموانئ الواقعة خارج الخليج العربي.
في هذا السياق، تصبح ميناء الفجيرة، وميناء ينبع، وميناء الدقم، ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل أدوات لإعادة توزيع القوة الجيوسياسية في المنطقة.
وهنا تبرز نقطة ربما هي الأخطر على المدى البعيد بالنسبة لطهران: إذا نجحت البدائل، فإن إيران ستفقد تدريجياً أهم أدوات الردع الجيوسياسي التي تمتلكها منذ الثورة الإيرانية. أي أن المضيق الذي منح إيران وزناً استراتيجياً عالمياً، قد يتحول مع الزمن إلى ممر مهم إقليمياً، لكنه أقل قدرة على ابتزاز الاقتصاد العالمي.
وفي تقديري، هذا ما يفسر أن إيران غالباً لا تذهب إلى الإغلاق الكامل، بل تفضّل البقاء في منطقة “التهديد القابل للتصديق” دون الوصول إلى نقطة “التدمير المتبادل للمصالح”. لأن الخوف الحقيقي في طهران ليس فقط من الضربة العسكرية، بل من اليوم الذي يكتشف فيه العالم أنه لم يعد بحاجة استراتيجية ملحّة إلى مضيق هرمز بنفس الدرجة التاريخية السابقة.
والأخطر من ذلك أن الإفراط في عسكرة الممرات البحرية قد يدفع العالم مستقبلاً إلى إعادة توزيع مراكز الطاقة والتجارة والنقل بعيداً عن الخليج العربي نفسه، وليس فقط بعيداً عن إيران. وعندها قد تجد المنطقة بأكملها نفسها أمام تحولات اقتصادية وجيوسياسية عميقة تُفقدها تدريجياً بعضاً من مركزيتها التاريخية في النظام الاقتصادي العالمي، وهو سيناريو قد تكون تداعياته بعيدة المدى أكبر من أي مواجهة عسكرية مؤقتة في المضيق.
أ.د.عبدالوهاب العوج
أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز