آخر تحديث :الأحد - 24 مايو 2026 - 07:59 م

قضايا

قراءة تحليلية ونقدية معمقة لمحطة فارقة من تاريخ الجنوب
​كيف جرى تدمير الجنوب باسم الدين؟ ​

الأحد - 24 مايو 2026 - 07:12 م بتوقيت عدن

​كيف جرى تدمير الجنوب باسم الدين؟
​

قراءة تحليلية ونقدية معمقة لمحطة فارقة من تاريخ الجنوب، حيث يسلط الضوء على أبعاد طالما شكلت محور نقاشات سياسية واجتماعية وثقافية.

هذه رسالة بليغة، واضحة، ومؤثرة موجهة لجيل الشباب.

رسالة إلى جيل الشباب

​كيف جرى تدمير الجنوب باسم الدين؟


مقدمة: صناعة "العدو" الأيديولوجي

​لم تكن حرب صيف 1994م مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل سبقتها ورافقتها حرب أيديولوجية ممنهجة أدارتها نخب النظام في صنعاء. لقد جرى صياغة خطاب تعبوي راديكالي قبل إعلان الوحدة وخلال أزمتها، ارتكز على تصوير النظام في "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" ككيان ماركسي علماني خارج عن الدين. ومن خلال هذا التوظيف السياسي للدين، تم الشحن المعنوي وتحشيد المجتمعات في الشمال ضد الجنوبيين بوصفهم "ملحدين"، لتأخذ الحرب لاحقاً غطاءً مقدساً تحت مسمى "حرب الردة والانفصال"، مسنودة بفتاوى دينية صريحة شاركت فيها تيارات الإسلام السياسي والمعاهد الدينية لشرعنة السيطرة والتدمير.

أولاً: تجريف الثقافة المدنية وهوية المجتمع

​عقب الهزيمة العسكرية للجنوب عام 1994م، توغلت تيارات الإسلام السياسي (ممثلة بالتجمع اليمني للإصلاح وحليفه المؤتمر الشعبي العام) في مفاصل الحياة بفتوى دينية بررت مصادرة الأملاك العامة والخاصة. ولإعادة صياغة الهوية الجنوبية، تم استخدام وسائل عدة:

​تأسيس الجمعيات والمراكز الدعوية: وفي مقدمتها جمعيات الإصلاح الخيرية، التي اتخذت من العمل الإنساني واجهةً، بينما ركزت في باطنها على محاربة البنى الثقافية والمدنية المتوارثة، والتشكيك في انتماء أبناء الجنوب لحاضرتهم العربية والإسلامية.


​اختطاف منابر المساجد: تحولت المنابر من قنوات لتعليم قيم العمل، والتسامح، وإعمار الأرض، إلى منصات لترهيب المجتمع عبر التركيز الحصري على غيبيات العذاب (كعذاب القبر والجهنم)، وزرع الضغائن، وتكريس ثقافة الخنوع والاتكالية.

​سياسة "خليك بالبيت": ترافق هذا الشحن النفسي مع تسريح عشرات الآلاف من الكوادر المدنية والعسكرية الجنوبية، مما كسر كرامة الإنسان وأضعف دوره الإنتاجي، مستبدلاً قيم الكفاح والنزاهة بقيم الكسل والرشوة والمحسوبية.

ثانياً: تفخيخ التعليم واغتيال الطفولة

​امتدت يد التغيير الأيديولوجي لتعبث بالنظام التعليمي المتوازن الذي كان يفخر به الجنوب:

​تغيير المناهج واستبعاد الفنون: جرى إلغاء مواد التربية الفنية، والموسيقية، والرياضية، والأنشطة اللاصفية التي تبني وجدان الطالب وتصقل روحه.

​تضخيم المواد الدينية المسيسة: على حساب العلوم التطبيقية والحديثة، رُكز على مفاهيم الموت، والقتال، والتكفير داخل الفصول الدراسية.

​النتيجة: نُشّئ جيل محكوم بالخوف والعزلة والنفور من الحياة، مما تسبب في ارتفاع معدلات تسرب الطلاب، وظهور بيئة مدرسية مشحونة بالعنف والشغب نتيجة غياب البيئة الحاضنة للمواهب والشغف.

ثالثاً: حصار الفضاء العام وإطفاء أنوار الفن

​جرى تجفيف منابع الفرح والجمال في الفضاء العام الجنوبي عبر تصنيفه كـ "محرّمات":

​إغلاق دور السينما والمسارح: أُغلقت المؤسسة العامة للسينما ودور العرض الشهيرة؛ فبعضها تحول إلى مساجد (مثل سينما جعار في أبين)، وبعضها إلى قاعات أفراح (مثل سينما التواهي)، والبعض الآخر طاله الهدم والخراب.

​إيقاف الحركة المسرحية: غُيب المسرح الوطني ومسارح الطفل والأكروبات، وتوقف إنتاج الفرق الفنية والموسيقية التي كانت تشكل وجه عدن والجنوب الحضاري.


​رابعاً: استهداف المرأة وسلب مكتسباتها

​كانت المرأة الجنوبية الضحية الأبرز لخطاب ما بعد 1994م، حيث عُمل بشكل ممنهج على تحجيم دورها الريادي:

​الإقصاء من الحياة العامة: بعد أن كانت المرأة في الجنوب قاضية، ومحامية، ودبلوماسية، وقيادية في السلكين المدني والعسكري، حصرها الخطاب الجديد في دور "ربة المنزل المطيعة" غير المؤثرة، وسُحبت الصفة القضائية من القاضيات.

​سلاح "الحجاب والسياسة": جرى استخدام فرض النقاب والجلباب كوسيلة ضبط اجتماعي وسياسي لفرض السيطرة وبسط النفوذ، وعبر الأشرطة الدعوية (الكاسيت) والخطب الموجهة، تم تصوير المرأة كعورة وناتئة مجتمعية يجب إخفاؤها.

التلقين السياسي النسوي: استغلت الجمعيات النسوية الحزبية حاجة النساء في الأرياف والمناطق الشعبية لممارسة نوع من التلقين السياسي لضمان الولاء التام لأيديولوجيا الحزب.

​خاتمة: رهن المستقبل لظلمات الإرهاب

​إن النتيجة الأخطر لكل هذا الشحن الديني المسيس، كانت الزج بالكثير من شباب المحافظات الجنوبية في أتون التنظيمات الجهادية والجماعات المتطرفة. فبدلاً من أن يكون الشباب شعلةً في ميادين العلم، والمعرفة، والبناء والاستقرار، جرى تحويلهم بأدوات أيديولوجية إلى وقود لصراعات العنف والإرهاب لحماية عروش السلطة والنفوذ في صنعاء.

​رسالة إلى جيل الشباب:


إن استعادة وعي المجتمع الجنوبي بقيمه المدنية الأصيلة — قيم العمل، والحرية، والمساواة، وحب الحياة، والشراكة الحقيقية للمرأة — هي الخطوة الأولى لتحصين الحاضر وبناء المستقبل، بعيداً عن أوهام وتوظيف خطابات المتاجرة بالدين.

قراءة مستوحاة من كتاب "الدين والسياسة" للمؤلفين: د. فضل الربيعي ود. أمل صالح