إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا أبا علي لمحزونون.
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، خيّم الحزن والوجع كالصاعقة على الجنوب عامة، ويافع رصد خاصة، برحيل الهامة الوطنية والعسكرية الفذة، العميد ركن طيار عبدالباسط أبوعلي العامري (قائد محور أبين). رحل فجأة دون سابق إنذار، وتاركاً خلفه قلوباً مثقلة بالوجع والذهول، ومسيرة حافلة بالعطاء سار فيها على خطى والده الراحل علي محمد عبادي، مأمور مديرية رصد الأسبق، الذي ارتبط اسمه بنهضة المديرية وعمرانها الحكومي ومصالحها العامة
صدمة الغياب المبكر
ما أصعب الفراق عندما يأتي بغتة. قبل أيام قليلة، كنا نتبادل أطراف الحديث، نرسم خططاً للغد، ونمضي معاً في مسيرة النضال والشرف لإكمال المشروع الوطني الذي نذرنا له أنفسنا. كان "أبا علي" متفائلاً، يفيض طاقة وأملاً بأن القادم أفضل. واليوم، نجد أنفسنا نقف مذهولين أمام حقيقة غيابه، ولم تستوعب العقول بعد أن ذلك الجسد الطاهر قد واراه الثرى، وأن ذلك الصوت الحكيم الصادق قد صمت للأبد في وقت كنا بأشد الحاجة فيه إلى حكمته وإخلاصه.
الأثر الطيب.. سيرة تححي صاحبها بعد الموت
يقولون إن الإنسان أثر، وقد ترك أبو علي خلفه أثراً خالداً لا تمحوه الأيام:
الأخ والرفيق والناصح: عاش بين الناس قريباً من الصغير والكبير، يوجه الشباب بخبرته العسكرية العريضة دون مقابل أو تفاخر برتبة أو منصب.
إصلاح ذات البين: سار على خطى والده الراحل، فكان يسعى بين الناس بالمحبة والتسامح، جامعاً للكلمة، حريصاً على خلق الألفة ونبذ أي شكل من أشكال العنصرية أو التفرقة.
الزهد في المناصب: دافع عن أرضه سلماً وحرباً منذ صيف 1994، وحين أُجبر على الهجرة قسراً إلى سوريا وعاد منها، لم يلهث وراء المكاسب، بل كان يخدم الجنوب من أي موقع وُجد فيه، حتى في مهمته الأخيرة كقائد لمحور أبين، حيث رتب الصفوف بحنكة مذهلة وسط شحة الإمكانيات، مدفوعاً بتقدير واحترام متبادل من جميع الألوية.
مشاطرة وأمل في مصابنا المشترك
وفي هذه الفاجعة الأليمة، فإني أشاطر أولاده الغالين على قلبي، وكافة الأسرة الكريمة كبيرهم وصغيرهم، هذا الحزن والوجع العميق. إن مصابكم هو مصابنا جميعاً، والكسر كسرنا، ولكن هذه هي سنة الحياة والموت حق علينا. وإنني في هذا الموقف الصعب أوصيكم ونفسي بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، والإيمان التام بالله عز وجل، فلا نقول إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، راضين ومؤمنين بقدره وقضائه، ونسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته ويلهمكم ومحبيه الصبر والسلوان.
الوداع الأخير
فإلى جنات الخلد يا رفيق الدرب ويا خيرة الرجال.
اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم آنس وحشته في قبره، واجعل مرقده روضة من رياض الجنة، وأنزله منزل الشهداء والأبرار، واجعل أثره الطيب شفيعاً له ونوراً يضيء قبره.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
الأسيف المكلوم/ النقيب المحامي ثابت صالح الوعلاني