آخر تحديث :السبت - 06 يونيو 2026 - 02:59 م

ثقافة - أدب - فن


العمل الدرامي "أوراق الزمن المر" قراءة سيميائية فنية لعناصر العمل وثيماته

السبت - 06 يونيو 2026 - 11:05 م بتوقيت عدن

العمل الدرامي "أوراق الزمن المر" قراءة سيميائية فنية لعناصر العمل وثيماته

بسام الحرّوري

تعد الكتابة أو التناول لعمل درامي تراجيدي تلفزيوني كأوراق الزمن المر أمراً ليس من السهولة بمكان الإلمام بتفاصيله أو الإحاطة بسيميائيته ورمزيته وثيماته من حيث هو قيمة فنية عالية، قُدِمَ هذا العمل في بداية تسعينيات القرن الماضي ولم تكن وقتها تكنولوجيا التصوير والمونتاج والإخراج قد تقدمت كفاية إلّا أنّه لا يزال يواكب أحدث دراما اليوم بل ويتفوق على كثير منها قصة وحبكة وتقنية وقد أنتجت هذه التحفة الفنية مؤسسة "الذات" للإنتاج والتوزيع الفني بالرياض كما يظهر في بداية الشارة، عن رائعة الكاتب اللبناني جوزف حرب تأليفاً وسيناريو وحواراً وبتوقيع القدير نجدت إسماعيل أنزور إخراجاً.


حيث قام بأداء الأدوار كوكبة من ألمع نجوم الدراما العربية السورية واللبنانية.. فمن سوريا الفنانة القديرة منى واصف بدور السيدة وصال والفنان فراس إبراهيم بدور عادل، كما شارك من لبنان الفنان أنطوان كرباج بدور الدكتور خليل والفنان القدير عماد فريد بدور أبي عادل والفنان سعد الدين مخللاتي بدور أبي كريم وشارك في التمثيل أيضاً بيار داغر وتقلا شمعون وآمال العريس ولما قاسم وجناح فاخوري وعفيفة فاعور وجنى أبي مرشد ونزيه قطان وعلي الزين وجان قسيس وحسام الصباح وإدوار الهاشم ومجدي مشموشي وعلي سعد وأمجد الحسين وحسين شحادة وماريان فرح وباتريك مبارك وإيمان بيطار وآخرون.. حيث جسد النجم المتألق عمار شلق دور "وحيد" ولعب دور البطولة مناصفة مع المغنية اللبنانية جوليا بطرس التي جسدت دور راغدة ويُعد الظهور الأول لها في مجال الدراما وربما الأخير، وتتجلى براعة التأليف والتوزيع الموسيقي لدى مؤلف وموزع الموسيقى التصويرية الفنان سمير كويفاتي من خلال شارة المقدمة والختام إلى جانب الموسيقى التي ترافق المشاهد والأحداث حيث استعان بجوقة من الأصوات النسائية المبهمة في تبايناتها ما بين الهمهمات والحزن النّوستالجي الشفيف، كتقنية يطعّم به موسيقاه لتشي بالجو العام فيما تتفرد بالمقابل بخصوصيتها الموسيقية من خلال تقديم المشاهد دون الوقوع في فخ الخلط أو المزج الذي يتوائم مع مشهد له خصوصية حميمية عن آخر له جوه الخاص بأحداثه وتداعياته، إلى جانب الموسيقى الإيقاعية المرافقة بما يتناسب والجو العام للعمل وكذا توزيع الموسيقى التصويرية من خلال استخدام بعض الآلات الموسيقية ذات الطابع الشرقي والمجسد لروح الطبيعة الأم، كالعود والناي والقانون بما أن معظم مشاهد القصة تدور أحداثها في الطبيعة وقد تم تصويرها في الريف اللبناني تحديداً، وسعى كويفاتي في التوزيع الموسيقي من خلال تنويعاته التي تتسق مع حيثيات المشاهد وخصوصيتها إلى خلق وشائج وجسور للموائمة ما بين المرئي والمسموع وهكذا يفلح في إقناع عقل المتلقي قبل وجدانه فينساق الأخير في تماهيه حتى يغدو جزءاً أصيلاً من تفاصيل المشهد فتارة يفرح مع مشاهد الفرح وأخرى يحزن في مشاهد الحزن إلى جانب الترقب والحذر والدهشة والصدمة والمغامرة وأنا هنا لا أتحدث عن الفرح المجاني أو الحزن المستهلك أو بقية المشاعر التي يستطيع أي موسيقي تجسيدها بأداء تقليدي وكيفما اتفق، ولكن القيمة التي جسدها كويفاتي من خلال موسيقاه تنم عن التجديد والابتكار والمغايرة ما جعلها فريدة وخالدة في ذائقة من يسمعها بوجدانه.


وكما هو معهود عن كويفاتي غالباً لا يحبذ الإسهاب والتكرار من خلال موسيقاه، لكنه يحرص على توصيف حال ما ولمس محتوى المشهدية ومغزاها بأنامل الروح قبل الحواس، من خلال الموسيقى الوامضة المختزلة للحزن والأسى وأحياناً الفرح عبر نغمة العود وهي الومضة الموسيقية المشبعة بكوامن الإحساس بما يضفيه هذا التكثيف من قيمة إنسانية إبداعية نبيلة، وفي الوقت ذاته تعد نظرة استشراف وتأمل ثاقبة وسابرة لعمق المعنى الذي يمخضه الحدث وما تمليه تداعيات الموقف ومن هنا يبدأ المشهد أو يُختتم بنغمة عود ذات رنة حزينة ولمرة واحدة دون تكرار، وبالرغم من أن الناي ينماز في نواحه بصبغة الحزن إلّا أن كويفاتي وظفه لصالح الأرض في بعض المشاهد كاستلهام سيميائي ذكي منه وبمعاني متباينة السمات تنبثق من الكينونة ذاتها فتنداح من ثيمات عظيمة القيمة كالعزم والهمة والحياة والخصب، والأمل مصحوباً بإيقاع خفيف من خلال مشاهد الفلاحين وهم يُعمِلون معاولهم في أراضيهم، وجاء مشهد تجوال راغدة على دراجتها الهوائية عبر الحقول في استعراض بانورامي بصري للطبيعة، بالمقابل يصاحبها الناي كمعادل سمعي لكل هذه الثيمات وخلفية تستبطن الحزن والأسى في مواطن مختلفة وهنا تكمن مهمته الأساسية، كالمشهد الذي يظهر فيه وحيد وخالته وهما يحاولان إطعام أمه التي أصيبت بالجنون بعد موت أخيه وترفض أن تأكل فتجلس ساهمة خارج البيت دون كلام فلا يفلح في إقناعها لتأكل.. في مشهدية تغلفها الأسى والمصير الحزين الذي آل إليه حال الأم الثكلى.


أما البيانو فكان له حصة من التوزيع الموسيقي في بعض مشاهد المدينة باعتباره آلة فخمة وأنيقة ترمز للمدنية وتوحي بدلالاتها إلى الوجه الآخر للمدينة ومادياتها وهذا ما بدا واضحاً في المشاهد التي تعبر عن الأمور النفعية والوصولية وعقد الصفقات والجشع والثراء والمؤامرات كما استخدم كويفاتي آلة البيانو كخلفية سماعية سيميائية في توزيعه للمشاهد الأرستقراطية في المدينة للتعبير عنها بنغمات متباطئة، وكل نغمة تجسد إلى جانب أختها معنى مختلف مثلاً في مشهد جلوس الدكتور خليل وحديثه مع عائلته عن الإرث ووكالة أملاكه في صالون بيته المزين بالتحف والأثاث الفخم أو في بعض الاجتماعات في مشفاه الخاصة أو جلسات العمل وهذه المشاهد كلها في المدينة، لكن لم يمانع كويفاتي من أن يرافق البيانو بنغماته بعض المشاهد المشحونة بالتوتر والقلق أو التدبير لمكيدة ما في القرية أيضاً.. وهي تظهر عبقرية المؤلف في التوظيف الفني واستلهامه في مخاطبة الذائقة السمعية عبر المقاربات التي تتجلى نبضاً وإحساساً إنسانياً يتناغم جنباً إلى جنب السيميائية البصرية كتوليفة تمزج وتوائم بين الحاستين في المشهد، ولعل التناغم السيميائي الصوتي/البصري بين النص السيناريو والحوار والإخراج والتوزيع الموسيقي قدّم ثيمات العمل في إطار إبداعي متكامل حد الإبهار من خلال طرح بعض الرؤى والأفكار الفلسفية التي طُعِّمَ بها الحوار لا سيما إبراز قيمة الأرض كثيمة أساسية والتشبث بها وما لها من سمات دلالية تنداح من صميم الذاكرة الجمعية وهذا ما كان يبدو جلياً في كثير من المشاهد خاصة أحاديث بطل القصة وحيد مع شبان قريته قبل شيبانها.. فيما كانت الفصحى السهلة الممتنعة هي لغة العمل وقريبة إلى قلوب العامة قبل الخواص أو النخبة..


ويأتي دور المخرج في انتقاء العنصر الأنسب والمتقِن للدور المناط به، في كل خلفية وما له من أبعادها ودلالات في تقديم الصورة وكأنها طبعت سابقاً في ذاكرته البصرية من تخيُّل المشهد متبوعاً بعناصره كما شاهده في لاوعيه، حينما كان النص حبراً على ورق وهي سمة لا تتوفر لدى كثير ممن يمتهنون الإخراج، ويكمن التجلي السيميائي في بعض المشاهد كمشهد سقوط الجدار الذي كان يُتبِعه أنزور نهاية مشهد ما كإشارة إلى حصول شرخ في النسيج الاجتماعي أو تجاوز ولا أقول سقوط مبدأ أو قيمة اجتماعية راسخة في العادات والتقاليد المتبعة في الريف مثلما حصل في مشهد رفع صوت عادل على والده أو كدلالة على تداعي مشكلة بين أصدقاء أو أقارب وكذلك مشهد موت الدكتور خليل زوج السيدة وصال عندما وضعت السيدة وصال يدها على مسند أو مقبض الكرسي وتشبثت فيه مبتهجة فور علمها بموت زوجها الذي كان عقبة بينها وبين تحقيق طموحاتها وملذاتها الشخصية في إشارة إلى أنها ستمارس سطوتها وتتصرف بحرية كسيدة من الطبقة المخملية بالمال الذي سترثه عن زوجها دون حسيب أو رقيب، وهكذا يضع أنزور لبنة راسخة ويبتدع طريقة من خلال بصمته التي يؤسس بها مدرسة خاصة به في عالم الإخراج، ومهما بلغ أي عمل قيمة إبداعية عالية أو قارب حدود الكمال إلّا أنه من الطبيعي أن تظل هناك بعض الهنات والمثالب التي يترصدها النقاد وتؤخذ على مسلسل أوراق الزمن المر كمشهد موت الدكتور خليل حيث لم تكن ابنته راغدة مقنعة وموفقة كفاية في البكاء على والدها ولا أدري هل اكتفى المخرج بهذا المشهد دون إعادة أم أن الممثلة لم تستدع طاقة الحزن الكامنة التي بات حضورها ضرورياً في هكذا مشهد لتقنع المشاهد بجو الحدث لا سيما وأنها تحب والدها كثيراً إلّا أن آراء النقاد ووجهة نظر المخرج في التناول والطرح تتباين، وختاماً يظل هذا العمل الفني فلتة من فلتات التسعينات رغم أن قصته لم تأتِ بجديد في موضوعها الذي يتناول صراع الخير مع الشر.. لكن التجديد في التناول والمغايرة في الطرح قدم العمل بهذا المستوى الفني العالي والراقي.