آخر تحديث :الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - 11:18 م

كتابات واقلام


الرياض تنقذُ عدوّها.. والجنوبي يُطعن

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 08:47 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


لم يكن إعلان الحوثيين، قبل ساعات، عن فرض "حظر بحري" على السعودية مجرد تصعيد عابر أو خطاب تهديدي معتاد، بل هو وثيقة اعتراف ضمنية بحالة الهستيريا التي يعيشها قادة الجماعة في صنعاء. غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً، والتي يجب أن يتوقف عندها العالم طويلاً، هي أن المملكة العربية السعودية، التي تُستهدف اليوم بالوعيد، هي ذاتها من ساهم - بسياساتها المتناقضة - في منح الحوثي هذا الحجم من القوة والجرأة.

في نهاية عام 2025، حققت القوات المسلحة الجنوبية إنجازاً استراتيجياً غير مسبوق بتحرير محافظتي حضرموت والمهرة، لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان ضربة قاضية لشريان الحياة الحوثي؛ إذ قطعت طريق تهريب السلاح الإيراني عبر سلطنة عُمان، وجففت منابع النفط غير المشروع التي تدر على الجماعة نحو ملياري دولار سنوياً، وفتحت الباب واسعاً أمام الانتقال إلى مرحلة تحرير العاصمة صنعاء، وفق ما ينص عليه اتفاق الرياض الذي كانت المملكة ضامناً له.

هنا، لم يعد الحوثي يهدد بضرب منشآت أرامكو من منطلق القوة، بل من منطلق طلب الإنقاذ. كان الجنوبيون قد وضعوا الجماعة في الزاوية، وقطعوا عنها الأوكسجين العسكري والمالي، فانطلقت صيحات الاستغاثة الحوثية باتجاه الرياض، طلباً للتدخل لإخراجهم من هذا المأزق.

والكارثة التي يجب أن يسجلها التاريخ، أن السعودية استجابت لهذه الاستغاثة، ليس بضغط على الحوثي، بل بالتفاف كامل على اتفاق الرياض وقصف القوات الجنوبية وإخراجها من حضرموت والمهرة، وإسقاط الرئيس عيدروس الزبيدي من منصبه، ومحاولة حل المجلس الانتقالي الجنوبي، واستبدال الاتفاق المعلن بـ "اتفاق مسقط" السري الذي يمنح الحوثي 60% من عائدات النفط، في صفقة واضحة أرادت استرضاء الجماعة على حساب الدماء الجنوبية التي سالت لتحرير الأرض.

وهكذا، تحولت الرياض من ضامن للتحرير إلى شريك في التمديد للحوثي. وبدلاً من أن تكون القوات اليوم على أبواب صنعاء، نجد الحوثيين يعلنون إغلاق باب المندب وتهديد العمق السعودي، مستخدمين الأسلحة التي كان من الممكن قطع طريقها لولا ذلك التراجع السعودي القاتل.

إن التهديد الحوثي اليوم بفرض حظر بحري ليس هدفه المعلن، بل وسيلة لابتزاز الرياض من جديد، لدفعها إلى فتح مطار صنعاء وتوفير شريان حياة بديل يعوض فقدان الممر العماني. إنها حلقة مفرغة: كلما قُدّم للحوثي تنازل، استشعر ضعف الطرف الآخر، ورفع سقف مطالبه.

السؤال الذي يطرحه المنطق: كيف تدافع المملكة عن أمنها القومي وهي تُضعف القوة اليمنية الأكثر قدرة على حماية حدودها الجنوبية، وتُنقذ جماعة مصنفة إرهابياً في كل مرة تحين فيها ساعة سقوطها؟ إن استمرار هذا النهج يعني أن الحوثي لن يتوقف عن تهديد الملاحة الدولية، وأن معركة باب المندب ليست سوى بداية لابتزاز أكبر.

الخلاصة الوحيدة التي يجب أن تخرج بها الرياض من هذا المشهد، هي أن أمنها القومي يمر عبر تعزيز الجنوبيين وتمكينهم، وليس عبر التفافٍ يخدم المشروع الإيراني. فالحوثي لا يفهم إلا لغة القوة، والجنوبيون هم من يمتلكون هذه اللغة على الأرض. أما التهديدات الحالية، فهي ثمن باهض لسياسة لم تستوعب بعد أن من يُنقذ الحوثي اليوم، سيُضطر غداً للتفاوض معه تحت تهديد الصواريخ.