آخر تحديث :الأربعاء - 17 يونيو 2026 - 06:17 م

ثقافة - أدب - فن


الكائن..قصة قصيرة

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - 05:29 م بتوقيت عدن

الكائن..قصة قصيرة

بسام الحروري

أطلَّ الكائنُ الرابضُ فوقَ الرابيةِ برأسِهِ على ما وراءَها، فبدَتِ القريةُ للناظرِ وهي تطلُّ تعيسةً من خلفِ أُذُنَيهِ، يسربلُها البؤسُ والسرابُ المتراقصُ على مسافاتٍ فوقَ رمالِ صحرائِها اللاهبةِ، وقد طمرَتْ جزءًا كبيرًا من البيوتِ المتهدمةِ. أمّا الجزءُ الآخرُ من البيوتِ التي يسكنُها أصحابُها فأغلبُها آيلٌ للسقوطِ، تجاورُ الأطلالَ والأسمالَ، وتكادُ تنعدمُ فيها الحياةُ إلا من زوابعِ الغبارِ المُثارِ، وبعضِ الحيواناتِ السائبةِ التي لم يستطعْ مالكوها إطعامَها، فأطلقوها تبحثُ عن خُشاشِ الأرضِ هنا وهناك. وفي الجوارِ انتصبَتْ فزاعةٌ مائلةٌ للخلف بوجهها المشوه الملامح المتوجه إلى الأعلى، فكأنما تنتظر قطرا من السماء وتستحثه على النزول، وقد اهترأَ نصفُها العلويُّ، تحرسُ حقلًا طمرَتْهُ الرمالُ فهجرَهُ أصحابُهُ لشُحِّ الماءِ، ليصبحَ مكبًّا لجِيَفِ الحيواناتِ النافقةِ.


جفلَتِ الغربانُ، وازدادَ نعيقُها إثرَ تحرُّكِهِ، وتجمهرَتْ في الجوِّ أعلى قمّةِ الهضبةِ، فبدَتْ وكأنّها دائرةٌ سوداءُ معلّقةٌ في كبدِ السماءِ تستنكرُ وجودَ الكائنِ الجاثمِ أسفلَها. نظرَ إليها، لكنّهُ لم يُعِرْها اهتمامَهُ، فأشاحَ برأسِهِ المتكدّسِ فوقَ جسدٍ شيطانيٍّ يكسوهُ فروٌ دخانيٌّ يتماهى ما بينَ شعرٍ وريشٍ، بحنقٍ وغيظٍ؛ إذ لم يُعجِبْهُ مشهدُ البؤسِ الماثلِ أمامَهُ، فهو يريدُهُ أشدَّ بؤسًا من هذا. وقدحَتْ عيناهُ شررًا عندَ اشتعالِهما كجمرتينِ حينَ همَّ بالنزولِ من مكمَنِهِ، ميمّمًا شطرَ القريةِ، فانسلَّ بسرعةِ البرقِ، وساحَ في أزقّتِها ينداحُ ما بينَ دخانٍ وضبابٍ قاتمٍ كئيبٍ، طافَ ببيوتِها المتلاصقةِ وكأنّها تستندُ إلى بعضِها من تعبِ سنينِ الجدبِ والقحطِ. أطلقَ نفثةً من دخانِهِ الكريهِ على كوّةِ بيتٍ فيما كانَ يحتدمُ فيهِ جدالٌ بينَ زوجينِ إثرَ تعييرِ زوجِها بالفقرِ والعوزِ، فاشتدَّ الجدالُ حتى وصلَ حدَّ الاشتباكِ بالأيدي والتراشقِ، ولم ينتهِ حتى رمى عليها يمينَ الطلاقِ.


لملمَ أطرافَهُ الجافةَ التي استحالَتْ دخانًا، وسارَ في الأزقّةِ تتصاعدُ غيماتُهُ السوداءُ تارةً وتهبطُ تارةً أخرى، وإذا هو وجهًا لوجهٍ مع قيّمِ الجامعِ الجشعِ الشيخِ خلدونَ، الذي يتلقّى النذورَ من فقراءِ القريةِ ليعدَهُم بسنةٍ خضراءَ ممطرةٍ يسودُها الرخاءُ والخيرُ العميمُ، ثم يسألُ عن الحاجِّ سعيدٍ الذي تخلّفَ عن ركبِ النذورِ، فيلعنُهُ ويكفّرُهُ بشناعةٍ أمامَ طابورِ الفقراءِ، ويحلفُ أيمانًا مغلّظةً أنّ لعنةَ اللهِ ستحلُّ علينا بسببِ هذا الفاجرِ العاصي، رغمَ أنّ الحاجَّ سعيدًا حجَّ بيتَ اللهِ مرّتينِ واعتمرَ عندما كانَ في أوجِ غناهُ، قبلَ أن يعصفَ بحالِهِ الفقرُ والعوزُ.


يلتفُّ الكائنُ ويعودُ أدراجَهُ إلى بيتِ الحاجِّ سعيدٍ، وينفثُ غمامةً قاتمةً، فتثارُ جلبةٌ لبرهةٍ داخلَ بيتِهِ، ويخرجُ والدماءُ تغلي في عروقِهِ يتوعدُ ويهدّدُ، حاملًا مذراتَهُ، مهرولًا إلى حيثُ يقفُ الشيخُ خلدونُ أمامَ الجامعِ، فيخترقُ الجمعَ رغمَ محاولةِ الفقراءِ إمساكَهُ ومنعَهُ، ويعبثُ بالنذورِ، ويحطّمُ أواني الخزفِ التي تحتويها، إلى أن يصلَ إلى الشيخِ خلدونَ فيصرخُ فيهِ بذروةِ غضبِهِ: هل تريدُ سرقتَنا باسمِ الدينِ يا ابنَ الحرامِ؟ ثم يرفعُ المذراةَ فيغرزُها في عنقِهِ، والشررُ يتطايرُ من عينيهِ، ويسحبُها بقوةٍ، ويتبعُها بأخرى في صدرِهِ، فينزفُ الدمُ ويسقطُ الشيخُ متخبّطًا بدمائِهِ، يزفرُ كثورٍ مذبوحٍ. يتفرّقُ الجمعُ، إلا من بعضِ مَنْ حاولَ إسعافَهُ، ويهربُ الحاجُّ سعيدٌ بعدَ أن يرميَ مذراتَهُ الملطّخةَ بالدمِ لجهةٍ غير معلومة، وكلُّ هذا والكائنُ ينفثُ سحائِبَهُ السودَ الكريهةَ.


في صباحِ اليومِ التالي اتّفقَ أبناءُ القريةِ على التفتيشِ عن الحاجِّ سعيدٍ خارجَها.

وتطلُّ سكينةُ، أجملُ بناتِ الحاجِّ سعيدٍ وأكملِهنَّ قوامًا وأنوثةً، من بابِ دارِهم وهي تسوّي خصلاتِها المنفلتةَ تحتَ غطاءِ رأسِها البنفسجيِّ، وتتلفتُ هنا وهناك، فقد نفدَ الطحينُ والطعامُ لديهم. فتنسلُّ مسرعةً خارجَ القريةِ إلى المزارعِ المتاخمةِ، علّها تتسقّطُ الأخبارَ عن والدِها وتظفرُ بطعامٍ يسدُّ رمقَ إخوتِها الجوعى. وفي هذهِ الأثناءِ يطلُّ الكائنُ نافثًا كلَّ ما بجوفِهِ من بينِ الأحراشِ. وحينَ تصلُ الصبيّةُ تسعى إلى حارسِ المزرعةِ فتطلبُ منهُ أن يسمحَ لها بالانضمام إلى العمال للعملِ مقابلَ الطعامِ، فيجيبُها بأنّهُ مكتفٍ. تتوسّلُ إليهِ. يفكّرُ قليلًا، ثم يُخبرُها بأنّ معَهُ قليلًا من الطحينِ والزيتِ في كوخِ القشِّ بآخر المزرعة، فتشكرُهُ بامتنانٍ وتمضي مسرعةً لتأخذَهُ، فيتبعُها خلسةً وينقضُّ عليها بعدَ أن يُقفلَ البابَ كذئبٍ جائعٍ، ممسكًا بجيبِ ثوبِها بتشنّجٍ جنونيٍّ، يشدُّها إليهِ حتى يشقَّهُ من عنقِها إلى أسفلِ صدرِها، فيبدو نهدُها المتبرعِمُ كثمرةٍ في طورِ النضجِ، وهي تدافعُهُ بيدٍ وتصرخُ محاولةً تغطيةَ ثمارها باليدِ الأخرى، لكنّهُ كتمَ صراخَها واستغاثاتِها بيدِهِ الغليظةِ، وانكبَّ عليها كغولٍ متعطّشٍ يجردُها من ما تبقّى من أسمالِها بأنيابِهِ العفنةِ، ويمزّقُ زهرَها الغضَّ بوحشيةٍ، ويغتالُ أنوثتَها بلا رحمةٍ.


في صباحِ اليومِ الثالثِ أطلَّ الكائنُ الرابضُ فوقَ الرابيةِ برأسِهِ على ما وراءها ، فبدَتِ القريةُ للناظرِ وهي تطلُّ تعيسةً من خلفِ أُذُنَيهِ، يسربلُها البؤسُ والسرابُ المتراقصُ على مسافاتٍ فوقَ رمالِ صحرائِها اللاهبةِ، وقد طمرَتْ جزءًا كبيرًا من البيوتِ المتهدمةِ. أمّا الجزءُ الآخرُ من البيوتِ التي يسكنُها أصحابُها فأغلبُها آيلٌ للسقوطِ، تجاورُ الأطلالَ والأسمالَ، وتكادُ تنعدمُ فيها الحياةُ إلا من زوابعِ الغبارِ المُثارِ، وبعضِ الحيواناتِ الهزيلة السائبةِ التي لم يستطعْ مالكوها إطعامَها، فأطلقوها تبحثُ عن خُشاشِ الأرضِ هنا وهناك. وفي الجوارِ انتصبَتْ فزاعةٌ مائلةٌ للخلف بوجها المشوه الملامح المتوجه إلى الأعلى، فكأنما تنتظر قطرا من السماء وتستحثه على النزول، وقد اهترأَ نصفُها العلويُّ، تحرسُ حقلًا طمرَتْهُ الرمالُ فهجرَهُ أصحابُهُ لشُحِّ الماءِ ليصبحَ مكبًّا لجِيَفِ الحيواناتِ النافقةِ وعظامها.

جفلَتِ الغربانُ وازدادَ نعيقُها إثرَ تحرّكِهِ، وتجمهرَتْ في الجوِّ أعلى قمّةِ الهضبةِ، فبدَتْ وكأنّها دائرةٌ سوداءُ معلّقةٌ في كبدِ السماءِ تستنكرُ وجودَ الكائنِ الجاثمِ أسفلَها، وبدأَ ينسلُّ بدخانِهِ الكريهِ، لكنْ أحدًا من أهلِ القريةِ لم يشاهدْهُ.


---

*تمت*