آخر تحديث :السبت - 27 يونيو 2026 - 11:55 م

كتابات


أخطر ما يهدد العدالة ليس الجريمة... بل التأثير على القضاء

السبت - 27 يونيو 2026 - 11:06 م بتوقيت عدن

أخطر ما يهدد العدالة ليس الجريمة... بل التأثير على القضاء

كتب / المحامي/عثمان الكلدي.

إن أخطر صور العبث بالعدالة تتمثل في استغلال وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لممارسة الضغط على النيابة العامة أو المحكمة بقصد التأثير في إجراءات التحقيق أو المحاكمة أو حمل القضاء على إصدار قرار أو حكم معين.

حيث يعتقد البعض أن الحملات الإعلامية وسيلة مشروعة لتسريع الفصل في القضايا، بينما الحقيقة أن القضاء لا يُدار بالعواطف ولا بالترند، وإنما بالأدلة والقانون والضمانات الإجرائية. وأي ضغط خارجي على القاضي يُعد مساسًا باستقلاله، ويهدد نزاهة المحاكمة ويقوض الثقة في العدالة.

والأخطر من ذلك أن بعض المتهمين أو ذويهم أو مناصريهم قد يسعون إلى توجيه الرأي العام لتصوير المتهم على أنه بريء، أو أنه كان في حالة دفاع شرعي أو دفاع عن الشرف، قبل أن تستكمل جهات التحقيق والقضاء فحص الأدلة وسماع الخصوم. وفي المقابل قد تُشن حملات إعلامية للمطالبة بإدانة شخص قبل صدور حكم قضائي بات، بما يهدر أصلًا قانونيًا راسخًا وهو أن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته بحكم قضائي.

كما قد يلجأ بعض الخصوم أو حتى بعض الممارسين للمهنة القانونية إلى التلويح بالتشهير أو التحريض الإعلامي للضغط على القاضي، وهي ممارسات تمثل اعتداءً على استقلال السلطة القضائية، ولا تمت بصلة إلى حق التقاضي أو حرية التعبير المشروعة.

وعليه فإن العدالة لا تُصنع في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تُحسم بالهاشتاقات، ولا بعدد المشاركات والتعليقات، وإنما تُبنى داخل قاعات المحاكم، من خلال أدلة مشروعة، وإجراءات قانونية، وقناعة قضائية حرة لا سلطان عليها إلا القانون.

ولهذا فإن حماية القضاء من الضغوط الإعلامية ليست حماية للقاضي كشخص، وإنما حماية لحقوق المجتمع، وللمجني عليه، وللمتهم، ولضمان أن يصدر الحكم بعيدًا عن التخويف أو الابتزاز أو التأثير أو الانفعال الجماهيري.

تحية تقدير لكل قاضي يتمسك باستقلاله، ويجعل القانون وحده مرجعه، فلا يلتفت إلى الضغوط ولا إلى حملات التشهير، لأن استقلال القضاء هو الحصن الأخير للعدالة وسيادة القانون.