آخر تحديث :الجمعة - 17 يوليو 2026 - 03:50 م

اخبار وتقارير


قراءة : تهديدات الحوثي إلى برهانٍ جديد بايعاز من ايران هل يقرب ويعجل على حتمية استعادة دولة الجنوب

الجمعة - 17 يوليو 2026 - 03:16 م بتوقيت عدن

قراءة : تهديدات الحوثي إلى برهانٍ جديد بايعاز من ايران هل يقرب ويعجل على حتمية استعادة دولة الجنوب

د. عبدالرزاق عبدالله البكري

باب المندب... حين تتحول


لم يعد ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب مجرد أحداث أمنية عابرة، ولا مجرد تصعيد عسكري محدود، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على إعادة قراءة الجغرافيا السياسية في جنوب الجزيرة العربية، وفهم أن أمن الملاحة الدولية لا يمكن أن يبقى رهينة لمشروع إيراني يستخدم جماعة الحوثي أداةً لتنفيذ أجنداته التوسعية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إيران لا تنظر إلى باب المندب بوصفه ممراً مائياً فحسب، بل بوصفه ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها كلما أرادت ابتزاز المجتمع الدولي أو إرسال رسائل سياسية وعسكرية إلى خصومها. أما الحوثيون، فقد تحولوا إلى الذراع التنفيذية التي تستهدف السفن التجارية وتهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولحرية الملاحة.


غير أن هذه التطورات تفرض سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: من هو الشريك الطبيعي القادر على حماية باب المندب وسواحل بحر العرب وخليج عدن؟ وهل يمكن تحقيق أمن الملاحة في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب، أم أن الأمر يتطلب شريكاً محلياً مستقراً يمتلك الإرادة والقدرة والمصلحة المباشرة في حماية هذه الممرات؟

إن من منظور سياسي واستراتيجي،بات مشروع استعادة دولة الجنوب حتمي وضروري، لإن ما يحدث اليوم يؤكد أن الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، بل يمثل موقعاً استراتيجياً يتقاطع مع مصالح العالم بأسره. فسواحل الجنوب الممتدة على بحر العرب وخليج عدن، وإطلالته المباشرة على باب المندب، تجعل منه طرفاً محورياً في أي منظومة أمنية إقليمية أو دولية لحماية خطوط التجارة العالمية.

إن استمرار التهديدات الحوثية، وما يُقال عن ارتباطها بالدعم الإيراني، يدفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم معادلات الأمن في المنطقة. فالقضية لم تعد شأناً يمنياً داخلياً فقط، بل أصبحت قضية تتعلق باستقرار الاقتصاد العالمي، وسلامة سلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، وحرية الملاحة التي تعتمد عليها عشرات الدول.


ومن هنا، فإن إعادة النظر في مستقبل الجنوب واستعادة دولته كاملة السيادة، وفق هذا الطرح، لم تعد مجرد مطلب سياسي جنوبي يرفعه أبناؤه، بل باتت واجبة ترتبط أيضاً بحسابات الأمن الإقليمي والدولي. فكلما ازدادت التهديدات التي تطال باب المندب، ازدادت الحاجة إلى وجود شريك محلي قادر على المساهمة في تأمين هذه المنطقة الحيوية ضمن إطار قانوني وسياسي يحظى بدعم إقليمي ودولي،كالقوات الجنوبية،التي كانت السباق الى ذلك وحققت نجاحاً كبير.وقدم قيادتها خيرة شبابة في مكافحة الارهاب الاقليمي والدولي.


إن العالم اليوم مطالب بأن يتعامل مع جذور المشكلة، لا مع نتائجها فقط. فإرسال الأساطيل البحرية، رغم أهميته، يظل معالجةً للأعراض، بينما يبقى بناء منظومة أمن مستدامة بالتعاون مع القوى المحلية القادرة على حماية السواحل والموانئ أحد الخيارات التي يطرحها كثير من المراقبين عند مناقشة مستقبل أمن البحر الأحمر وخليج عدن.


لقد أثبتت التجارب أن الممرات البحرية لا تُحمى بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تُحمى أيضاً بالاستقرار السياسي، وبوجود شركاء محليين يمتلكون الشرعية والقدرة على حماية أرضهم ومياههم الإقليمية، والعمل مع المجتمع الدولي في إطار يحترم القانون الدولي ويصون حرية الملاحة.

وعليه، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى العواصم الإقليمية والدولية واضحة: إن أمن باب المندب ليس ملفاً منفصلاً عن مستقبل الجنوب واستعادة دولته، وإن أي رؤية استراتيجية طويلة الأمد لاستقرار البحر الأحمر وخليج عدن ينبغي أن تراعي الحقائق الجيوسياسية الجديدة، وأن تبحث عن ترتيبات تحقق الأمن والاستقرار وتحفظ مصالح شعوب المنطقة والمجتمع الدولي على حد سواء.


إن باب المندب اليوم لم يعد مجرد مضيقٍ بحري، بل أصبح عنواناً لصراع الإرادات، ومقياساً لقدرة العالم على بناء شراكات مستدامة تحمي التجارة الدولية من الابتزاز والتهديد، وتؤسس لمرحلة يكون فيها الأمن البحري قائماً على الاستقرار السياسي والتعاون الإقليمي، لا على إدارة الأزمات المتكررة.