آخر تحديث :الإثنين - 20 يوليو 2026 - 04:15 ص

اخبار وتقارير


تحليل: الفيدرالية والحكم الذاتي: مشاريع تُعيد إنتاج الوحدة ولا تصب في مجرى القضية الجنوبية

الأحد - 19 يوليو 2026 - 04:27 م بتوقيت عدن

تحليل: الفيدرالية والحكم الذاتي: مشاريع تُعيد إنتاج الوحدة ولا تصب في مجرى القضية الجنوبية

عدن تايم/ كتب / العقيد - محسن ناجي مسعد

تتعدد المسميات وتتغيّر المصطلحات، وتتعدد المفاهيم والتأويلات، لكن جوهر الطرح يبقى واحدًا وخاصة حين يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل الجنوب وقضيته الوطنية ومسألة قيام دولته المستقلة التي لا غبار عليها.

فالفيدرالية، والحكم الذاتي، (يمثلان وجهان لعملة واحدة) ليس هذا فحسب بل ليست سوى صيغ مختلفة ذات مضمون واحد وعناوين خادعة لمشروع واحد يهدف في نهاية المطاف إلى إبقاء الجنوب تحت مظلة الدولة اليمنية الواحدة التي لا فكاك للجنوب منها وفي ظل هيمنتها، وإعادة إنتاج الوحدة بشكل جديد وبمسميات تبدو في ظاهرها براقة لكنها في الحقيقة تهدف في المحصلة النهائية إلى دفن القضية الجنوبية ووضع حد فاصل لها ولا تخدم بأي حال من الاحوال تطلعات وأماني الجنوبيين ولا توازي حجم تضحياتهم التي ستذهب أدراج الرياح في حال أنساق الجنوبيين خلف تلك المشاريع المنقوصة التي يروج لها ويقوم بتسويقها المحتل وكل من في فلكه من الجنوبيين والمتمثلة ( بالفدرالية + الحكم الذاتي + الحكم المحلي واسع الصلاحيات ) وهي مشاريع هدفها الحقيقي هو تمكين المحتل من فرض المزيد من السيطرة والهيمنة والاستحواذ على الجنوب وإعادة تخليق الوحدة بمثل تلك الصيغ السياسية البأسة التي تستهدف طمس القضية الجنوبية وإزالتها من على خارطة الصراع القائم بين الجنوب والشمال ومن معادلة الحل العادل الذي تنتظره .


إن القبول بأي من هذه الأشكال أو الصيغ – سواء كانت فيدرالية أو حكمًا ذاتيًا – أو غيرها من المسميات والصيغ الخادعة التي لا يمكن أن تنطلي على احد من منطلق كونها لا تمثل حلاً سياسياً بقدر ما تمثل وجهة نظر طرف واحد يسعى من خلالها وبكافة الطرق المشروعة والغير مشروعة إلى الإلتفاف على جوهر قضية الجنوب، بل ويُعد في نظر الكثيرين وفي نظر شرفاء الجنوب تفريطًا صريحًا بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم المستقلة.


فهذه الصيغ، مهما حاول البعض تجميلها أو مكيجتها أو التمهيد لها فهي في النهاية لا تمنح الجنوب حقه في تقرير مصيره وفي قيام دولته المستقلة، ولا ترتقي بالقضية الجنوبية إلى مستوى الهدف الذي ناضل أبناء الجنوب لأجله عقود طويلة قدم خلالها الغالي والنفيس في سبيل انتصار إرادته الحرة التي لا زالت في الميدان.


لقد ردد نظام صنعاء سابقًا، وعلى رأسه علي عفاش، شعارات "الحكم المحلي واسع الصلاحيات" كوسيلة لذر الرماد في العيون ولامتصاص غضب الشارع الجنوبي ولشراء الوقت الذي ظلت الشرعية على الدوام تراهن عليه دون تقديم أي حلول جوهرية لصالح القضية الجنوبية التي كانت ومازالت غائبة عن أجندات نظام الاحتلال الذي ظل وعلى الدوام لا يبالي بحجم الجرائم والموبقات التي أقترفها بحق الشعب الجنوبي طوال الثلاثة العقود الماضية ولا يكترث لقضية الشعب الجنوبي الذي بلغت معاناته مستويات قياسية بفعل السياسة التي أنتهجها وسار على دربها المحتل. الذي يعاود بين الفينة والأخرى طرح نفس الطروحات التي عفى عليها الزمن لكن بواجهات مختلفة وبلغة ناعمة ومنمقة، في محاولة مكشوفة لتثبيت واقع الوحدة اليمنية وتكريس شرعية النظام المسيطر على الجنوب، في مقابل إعطاء الجنوبيين بعض الفتات وبعض الامتيازات الشكلية التي رفض الجنوبيين القبول بها بعد حرب ١٩٩٤م والتي لا تمس جوهر السلطة ولا تعطي الجنوبيين حقهم المشروع في التحرر والاستقلال الذي مازال معلق وغير معترف به من قبل نظام الشرعية رغم انخراط الانتقالي في الشراكة معها وهي الشراكة التي سرعان ما أنفضت لتعود الأمور إلى سابق عهدها وفي ظل الهيمنة المطلقة للشرعية التي باتت تهيمن وتسيطر على كافة المحافظات الجنوبية بعيدا عن الأنتقالي الذي أجبر على الخروج من معادلة الحكم دون أن يتمكن من تحقيق ما كان يتطلع إليه أو يسعى إلى بلوغه عن طريق مشاركته في السلطة التي لم تكن في يوم من الأيام مطلب الشعب الجنوبي الذي كان ومازال ينظر إلى هذه السلطة باعتبارها ( نظام احتلال ) وينبغي الخلاص منها وإجتثاثها عبر عملية سياسية - نضالية طويلة تقود في نهاية المطاف إلى قيام الدولة الجنوبية.


إن قبول المجلس الانتقالي أو غيره من المكونات الجنوبية بصيغة الحكم الذاتي بوعي أو بدون وعي أو السعي اليه، كما يروج له البعض أو كما تصرح به بعض القيادات الجنوبية التي عبرت أكثر من مرة عن رغبتها في قيام حكم ذاتي يدير دفته الجنوبيين دون الأخذ بالاعتبار بأن مثل هذه الدعوات لا تعدو عن كونها، مجرد فخ نصبته تلك القيادات لنفسها بغية تعطيل المسيرة السياسية والنضالية للقضية الجنوبية ودون النظر إلى المخاطر المترتبة على مثل هذه الخطوة الخطيرة التي تصب في مصلحة ديمومة وبقاء الوحدة وإعادة تثبيت أركانها من جديد، الوحدة التي كتبت شهادة وفاتها حرب ١٩٩٤م، والاعتراف الضمني بشرعية السلطة التي لفظها شعبنا باعتبارها سلطة احتلال.

وبالتالي، فإن أي تسوية سياسية لا تنص بوضوح تام على حق الجنوب في استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة لن تكون إلا مشروعًا في ظاهره القضية الجنوبية وفي باطنه إجهاض المشروع الجنوبي وتطلعات الشعب الجنوبي وإعادة تدوير الأزمة لا حلها.


أن القضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في مصطلحات ملتبسة مشوبة بالشبهات أو حلول تجميلية ترقيعية، وهي لا تحتمل المساومة أو التنازل بدعاوى التكتيك الذي لا جدوى منه لأن التكتيك الذي لا يصب في صالح الهدف النهائي يتحول الى مجرد تدليس، فإما دولة جنوبية مستقلة كاملة السيادة، وإما استمرار النضال السلمي الحضاري حتى يتحقق الهدف الاستراتيجي الذي قدّم لأجله الجنوبيون أعز ما يملكون ولا زالوا مستعدين لتقديم المزيد من التضحيات الجسام حتى يتحقق لهم النصر المؤزر الذي لا بديل عنه ولا مجال للدخول في مساومات سياسية تنتقص من الحق الجنوبي المتمثل في قيام الدولة الجنوبية المستقلة التي لا زال الجنوبيين يعولون بل ويصرون على قيامها مهما كان الثمن ومهما بلغت حجم التضحيات التي سيقدمها الشعب الجنوبي في سبيل انتصار إرادته الحرة.