البيان الصادر عن وزارة الكهرباء لا يفنّد الوثائق التي نشرها مركز سوث24، بل يؤكد صحتها عمليًا، ثم يحاول نقل النقاش من مضمونها إلى اتهام الجهة التي كشفتها بأنها تعمل بدوافع سياسية. وهذه حيلة مكشوفة، بدل أن تجيب الوزارة عن الأرقام والآثار الاقتصادية، هاجمت التسريب والمسرِّب.
الوزارة تقول إن الاستهلاك المنزلي دون ألف كيلوواط/ساعة "خط أحمر"، وتحاول الإيحاء بأن تجاوز هذا السقف حالة نادرة لا تمس إلا فئة محدودة. لكن أين الدراسة التي تثبت أن "الغالبية العظمى" من المنازل لا تتجاوز هذا الرقم؟ وأين بيانات الاستهلاك الفعلية، وعدد المشتركين في كل شريحة، ونسب المنازل التي ستشملها الزيادة؟
أي مختص بالكهرباء يعرف أن ألف كيلوواط شهريًا ليس سقفًا خياليًا في مدينة شديدة الحرارة مثل عدن. منزل يستخدم مكيفين بمتوسط قدرة 1.5 كيلوواط لمدة عشر ساعات يوميًا قد يستهلك وحده قرابة 900 كيلوواط شهريًا، قبل احتساب الثلاجات والإنارة والغسالات والمضخات وبقية الأجهزة. فكيف بالمنازل الكبيرة، أو الأسر الممتدة، أو البيوت التي تعتمد على شحن البطاريات ومنظومات الليثيوم خلال الساعات المحدودة لوصول الكهرباء، مع ما يصاحب عمليات الشحن والتخزين من فاقد إضافي؟
أما القطاع التجاري، فقد ارتفعت تعرفته المقترحة من 300 إلى 700 ريال للكيلوواط، أي بزيادة تبلغ نحو 133%. وهذه الكلفة لن يدفعها التاجر من جيبه في النهاية، بل ستنتقل مباشرة إلى أسعار الغذاء والدواء والمطاعم والخدمات والورش والإيجارات، وسيدفعها المواطن نفسه بصورة غير مباشرة. وبالتالي فإن الادعاء بأن الزيادة لا تمس المواطن محدود الدخل ادعاء غير واقعي اقتصاديًا.
والأكثر تناقضًا أن الوزارة تقول إن "التعديلات أُقرت"، ثم تعِد المواطنين بأن أي مستجدات تتعلق بالتعرفة "سيتم الإعلان عنها بكل شفافية". أين كانت هذه الشفافية قبل نشر الوثائق؟ ولماذا لم تعلن الوزارة التعديلات التي أقرتها، وتشرحها للرأي العام، وتنشر الدراسة التي استندت إليها، قبل أن يكشفها الإعلام؟
كما أن الاستناد إلى "متطلبات البنك الدولي وشركاء التنمية" لا يعفي الوزارة والحكومة من المسؤولية. المطلوب أن تنشر الوزارة بوضوح ما هي هذه المتطلبات؟ وما التزامات الحكومة؟ وما حجم الوفر المتوقع؟ وأين ستذهب الإيرادات الإضافية؟ وما الضمانات بأن الأموال ستنعكس على ساعات التشغيل والصيانة والخدمة، لا أن يدفع المواطن تعرفة أعلى مقابل الانقطاعات ذاتها؟
مركز سوث24 قام بدوره المهني في كشف وثائق تتعلق بمصلحة عامة وتمس حياة ملايين المواطنين. ومن حق الوزارة الرد والتوضيح، لكن ليس من حقها تخوين العمل الصحفي أو تحويل التساؤلات المشروعة إلى "مؤامرة سياسية". الرد الحقيقي يكون بالأرقام والبيانات والشفافية، لا باتهام من كشف الوثائق.