لم تعد مسألة رفع تعرفة الكهرباء مجرد اجراء مالي محدود، بل تحولت الى قرار اقتصادي واسع الاثر، تتشعب تداعياته لتطال كل مفاصل الحياة اليومية للمواطن. فالتعامل مع الكهرباء كسلعة تجارية بحتة، دون النظر الى دورها كمدخل انتاجي اساسي، يقود بالضرورة الى تحميل المواطن كلفة مضاعفة، سواء بشكل مباشر او غير مباشر.
ان اي زيادة في تعرفة الكهرباء على القطاع التجاري او الصناعي لا تتوقف عند حدود تلك القطاعات، بل تنتقل فورا الى المستهلك النهائي عبر ما يعرف بظاهرة تمرير التكاليف. فالتاجر والصانع، في ظل هوامش ربح محدودة اصلا، لا يستطيعان امتصاص هذه الزيادة، فيلجآن الى رفع اسعار السلع والخدمات. وهنا يتحول المواطن الى الممول الفعلي لهذه الزيادة، حتى وان لم يكن مستهلكا مباشرا للكهرباء التجارية او الصناعية.
اولى النتائج المتوقعة من زيادة تعريفة الكهرباء هي ارتفاع معدلات التضخم. فزيادة تكاليف الطاقة ترفع كلفة النقل والتبريد والتخزين والتصنيع، ما يؤدي الى موجة ارتفاعات سعرية تشمل المواد الغذائية والخدمات الاساسية. وفي اقتصاد هش يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فان هذه الزيادة تتضخم اكثر نتيجة ارتباطها بسعر الصرف.
فعندما ترتفع التكاليف المحلية، يزداد الطلب على النقد الاجنبي لتغطية الواردات، في ظل ضعف الصادرات وشح الموارد. هذا الضغط يؤدي الى تدهور سعر العملة المحلية، ما يخلق حلقة مفرغة: ارتفاع التكاليف ثم ارتفاع الاسعار ثم زيادة الطلب على الدولار ثم تدهور سعر الصرف ثم موجة جديدة من ارتفاع الاسعار.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح المواطن محاصرا بين ارتفاع متسارع في الاسعار من جهة، وثبات او تدهور في دخله من جهة اخرى، وهو ما يؤدي الى تآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
ما يزيد من حدة الازمة هو غياب التوازن في السياسات الحكومية. ففي الوقت الذي تم فيه رفع سعر الدولار الجمركي، وما تبعه من ارتفاع واسع في اسعار السلع، لم تقم الحكومة باجراءات موازية لحماية القدرة الشرائية للمواطن. بل ان الزيادات المعلنة في الرواتب جاءت محدودة وغير كافية ولم تصل إلى يومنا هذا إلى الموظفين، ولم تنعكس فعليا على الواقع المعيشي، في ظل استمرار تأخر صرف الرواتب، وهو ما يفاقم حالة عدم اليقين ويضعف الطلب الكلي في الاقتصاد.
هذا النمط من السياسات يعكس اعتمادا مفرطا على ما يمكن تسميته بالتمويل عبر جيب المواطن، بدلا من البحث عن مصادر مستدامة لتمويل الموازنة العامة.
كما أن المشكلة لا تكمن فقط في قرار رفع التعرفة، بل في غياب رؤية اقتصادية شاملة تقوم على تنمية الموارد الذاتية. فالدولة تمتلك قطاعات واعدة قادرة على توليد ايرادات كبيرة، لكنها ما تزال معطلة او غير مستغلة بالكفاءة المطلوبة.
ان تفعيل المؤسسات الإيرادية يمثل الخيار الاكثر عقلانية واستدامة، ومن ذلك: تصدير النفط والغاز، تطوير وتشغيل الموانئ بكفاءة عالية لتعزيز الايرادات الجمركية واللوجستية. اعادة احياء قطاع السياحة الداخلية والمصايف كمورد نقدي مهم. تشغيل مصافي عدن النفطية واستعادة دورها في رفد الاقتصاد وتقليل كلفة وإنفاق العملة الصعبة لاستيراد المشتقات النفطية، تفعيل مؤسسة الاصطياد البحري واستثمار الثروة السمكية الهائلة. التوسع في الصناعات الخفيفة وعلى راسها تعليب الاسماك بما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل. الاستثمار في تصنيع الواح الطاقة الشمسية محليا لتقليل فاتورة الاستيراد وتوفير حلول مستدامة للطاقة. توطين الصناعات الاساسية التي تستنزف العملة الصعبة مثل الصناعات الغذائية ومواد البناء والسلع الاستهلاكية اليومية.
كما أنه من غير المنطقي ان تستمر مؤسسة الكهرباء في تحميل المواطن اعباء اضافية، في حين توجد مديونية ضخمة على مؤسسات الدولة نفسها ومؤسسات القطاع الخاص الصناعية تقدر بمليارات الريالات. ان تحصيل هذه المديونية يمثل مصدرا ماليا كفيلا بسد جزء كبير من عجز المؤسسة، بل ويمكن ان يسهم في تحسين ادائها وتطوير خدماتها، دون اللجوء الى جيب المواطن كخيار اول.
كما لم يعد الامر مقتصرا على تعرفة الكهرباء، بل يتسع ليشمل سياسات اخرى تنتهجها الحكومة لزيادة الايرادات على حساب المواطن. ومن ذلك فرض رسوم مرتفعة على استخراج البطاقة الشخصية الالكترونية، وهي خدمة اساسية يفترض ان تكون في متناول الجميع، لكنها تحولت الى عبء مالي جديد يضاف الى سلسلة الاعباء المتراكمة.
هذا النهج يعكس عجزا واضحا في ابتكار حلول اقتصادية حقيقية، واللجوء بدلا من ذلك الى اسهل الطرق واكثرها كلفة اجتماعيا، وهي تحميل المواطن تبعات الاختلالات المالية.
ان استمرار تحميل المواطن كلفة الاختلالات الاقتصادية دون معالجة جذورها لن يؤدي الا الى تعميق الفقر واتساع الفجوة الاجتماعية. المطلوب اليوم ليس رفع الاسعار، بل رفع كفاءة الادارة الاقتصادية، والانتقال من سياسة الجباية الى سياسة التنمية ومحاربة الفساد.
فالدولة التي تعجز عن تنويع مواردها، تجد نفسها دائما امام خيار سهل لكنه خطير، وهو مد اليد الى جيب المواطن. غير ان هذا الخيار، مهما تكرر، لن يبني اقتصادا، ولن يصنع استقرارا، بل سيقود الى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
د/ عارف محمد عباد السقاف . أ.اقتصاد الأعمال المشارك جامعة عدن.