للعودة إلى قصف قواتنا في حضرموت والمهرة والضالع، فإن هذا التصعيد الغادر لم يكن وليد اللحظة؛ بل جاء نتاج مخطط إقليمي مُعد سلفاً في الغرف المغلقة. وقد أبلغت الرئيس الزُبيدي شخصياً، وعبر تطبيق (الواتساب) وعلى صفحته الرسمية بمنصة (إكس)، بأن الأمور قد بلغت مرحلة حرجة تكاد تخرج عن السيطرة؛ لا سيما بعد تصريحات خالد بن سلمان وقصف الشحنة القادمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومطالبة الجانب السعودي عبر العليمي بإخراجها فوراً. وتفادياً للأسوأ، رجوت التوجيه بانسحاب القوات إلى مواقعها السابقة فوراً، فالاستمرار في هذا المسار التصادمي سيقود إلى عواقب وخيمة لا يمكن احتواؤها. إن الصدام مع المملكة العربية السعودية ليس في صالحنا مطلقاً، والوضع الراهن يحتاج إلى حضور الحكمة، والتفكير بواقعية سياسية، والقبول بالمنطق الميداني؛ إذ يجب ألا تغرنا نشوة النصر، بل ينبغي التركيز على كيفية الحفاظ على المكتسبات وتثبيتها، خصوصاً وأن المحتل اليمني ينتظر هذا الصدام على أحر من الجمر، ولن يجد طريقاً للعودة إلى جنوبنا العزيز إلا من خلال تحقيق هذا الحلم والتصدع الذي يتمنى حدوثه في كل لحظة ..
وبناءً على ذلك، وانطلاقاً من حكمة الرئيس عيدروس الزُبيدي، التي تجلت في محاولات احتواء المشهد وتهدئته عبر تقديم بعض التنازلات التكتيكية لحقن الدماء، إلا أن الأجندة السعودية كانت أوسع نطاقاً وأكثر إصراراً على فرض واقع مغاير. واليوم يتضح للجميع أن السعودية لا تهدئ ولا تصلح ولا ترعى حواراً حقيقياً، بل تدير مسرحية سياسية هزيلة؛ هدفها الأساسي شيطنة دولة الإمارات العربية، وتخدير الشارع الجنوبي لامتصاص حالة الاحتقان والغضب الشعبي في لحظات حساسة، بينما تشتغل بعمق وهدوء على أخطر الملفات، إعادة تشكيل تمثيل الجنوب سياسياً بما يضمن لها استمرار نهب ثرواته ..
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الجُرم الذي اقترفه المجلس الانتقالي وقواته المسلحة الجنوبية؟ إن جُرمهم الوحيد أنهم كشفوا اللص عارياً، وصرخوا في وجهه بملء الفم: "هذه أرضنا، وهذه ثروتنا". لذلك، فإن شهداءنا الأبرار لم يُقتلوا في مواجهة عادية، بل أُعدموا بدم بارد لأنهم أحرار، وستبقى دمائهم وصمة عار أبدية في جبين من اتخذ هذا القرار الدموي الممنهج، فكل من شارك وأمر وبرر وصمت، هو شريك أصيل في هذه الجريمة، ولو غسل يديه بألف بيان تنديد مضلل ..
إن قضية الجنوب العادلة ليست مجرد قضية خدمات أو خلاف سياسي عابر كما يحاول البعض تسويقها، بل هي معركة أمن واستقرار ووجود حقيقي. فأبناء الجنوب لا يواجهون مليشيات منفردة فقط، بل يواجهون مشروعاً تدميرياً كاملاً يريد استخدام أرضهم لصالح قوى خارجية تحولت إلى ممر دائم للمسلحين والإرهابيين، مما يشكل تهديداً مباشراً لكل بيت في الجنوب. هذا المشروع الخبيث خُطّت تفاصيله من داخل أروقة المنطقة العسكرية الأولى عبر شبكات التهريب والإرهاب، لكن الشعب الجنوبي الواعي كشف المخطط مبكراً وأسقط غطاءه؛ وما الاعتصام الشعبي السلمي الجاري إلا أعلى درجات الوعي السياسي، ورسالة بالستية واضحة للعالم بأن حضرموت ليست أرضاً مستباحة، فالناس خرجوا إلى الساحات لأن الصمت في هذا التوقيت أصبح خيانة لذواتهم ولتاريخهم.
ومع هذا الانسداد، فإن هذا المسار المفخخ لن يكتب له الدوام، لا سيما مع دخول قوى دولية عظمى على خط الأزمة لترسم خطوطاً حمراء جديدة وتوجه رسالة حازمة للرياض بأن كفى، في وقت بدأت تشعر فيه المملكة بمرارة المأزق، وأنها باتت ضحية لتقديرات مستشاريها الخاطئة الذين أوقعوها في شر أعمالهم. وبناءً على هذه التحولات الميدانية، تقتضي الحنكة السياسية اليوم الانتقال إلى مرحلة مغايرة؛ قوامها التحصن خلف المكتسبات الوطنية وحماية الهدف السيادي الجنوبي، وترك الذين تصدروا المشهد بالوكالة ليديروا عجزهم ويواجهوا التحديات والتبعات الميدانية بمفردهم ..
لقد تمحورت السياسة السعودية في الجنوب حول محاولة يائسة لتوطيد نموذج الوحدة الـمَقبورة عبر الإبقاء على كيان شرعي مهترئ، مستخدمةً في ذلك التشكيلات المستحدثة مثل قوات "درع الوطن"، بالتوازي مع التنسيق الخفي مع الجماعات الإخوانية المتطرفة لضمان مصالحها الخاصة على حساب تطلعات شعب الجنوب وقضيته العادلة. واليوم، بعد أن ارتدت هذه الحسابات الخاطئة على صانعها، ووجدت الرياض نفسها غارقة في مستنقع يمني مظلم ومسدود الأفق، بدأت بخلط الأوراق عبر محاولات مستميتة للتقرب من دولة الإمارات العربية المتحدة، بحثاً عن طوق نجاة يقيها تبعات العزلة والفشل الميداني. إن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، بات يدرك تماماً أبعاد هذا التواطؤ ومخاطر غض الطرف عن التنظيمات المتطرفة التي غُذيت لضرب استقرار الجنوب، وهو مسار انتحاري لن يمر دون تبعات وعقاب سياسي وأمني يلوح في الأفق ..
من هذا المنطلق، نناشد جميع المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية، وعلى رأسها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، بالتحرك العاجل لتوثيق هذه الانتهاكات الجسيمة في حضرموت والمهرة والضالع، فالدماء المراقة لن تذهب سدى، ولن تسقط هذه الجرائم بالتقادم مهما طال الزمن. ستبقى دماء هؤلاء الأبطال، وثبات أولئك المقاتلين الصامدين تحت قصف من طالما وُصفوا لعقود بـ "الأشقاء"، وصمة عار أبدية في جبين من اتخذ هذا القرار الدموي، وفي المقابل ستظل شهادة نصر محفورة في ذاكرتنا الجامعة، تروى للأجيال بوصفها فصلاً مشرفاً من تاريخ الصمود والكرامة؛ فالواقع اليوم قد أفرز خارطة نفوذ شديدة التعقيد، يسعى فيها كل طرف رغماً عن هذه التوازنات المضطربة لحماية مكاسبه على الأرض وتأمين مستقبله السياسي في أي تسوية قادمة. لن ننسى، ولن نسامح، والجرائم لن تسقط بالتقادم، لتبقى الحقيقة الثابتة هي: توازنات الارتباك ومستقبل المشهد الجنوبي ..
حفظ الله الجنوب وشعبه الصابر