أقامت منظمة ميون لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، في مدينة عدن، وبرعاية وزير حقوق الإنسان، ورشة عمل ومعرضًا فوتوغرافيًا حول تعزيز حماية الأطفال من التجنيد والاستخدام في النزاعات المسلحة في اليمن، وبمشاركة وزراء وممثلين عن قطاعات حكومية ومنظمات دولية ومحلية وفاعلين في مجال حماية الطفولة وحقوق الإنسان.
وسلّطت الورشة الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال، ولا سيما تجنيدهم واستخدامهم في العمليات العسكرية والنزاع المسلح، كما ناقشت آليات الوقاية والمناصرة والمساءلة، وأهمية تكامل الجهود الوطنية والدولية لضمان حماية الأطفال وإعادة تأهيل المتضررين منهم.
وفي كلمة مسجلة، أكد وزير حقوق الإنسان، السيد مشدل محمد عمر، أن الورشة تناقش واحدة من أخطر الانتهاكات التي تواجه الأطفال في اليمن، موضحًا أن قضية تجنيد الأطفال لا تختزل في إيراد أرقام الضحايا أو توثيق الانتهاك، بل تتعلق بطفل انتُزعت منه طفولته وحُرم من حقه في التعليم والحماية والنمو والأمان، ودُفع إلى بيئة لم يختارها، وزُجّ به في أعمال قد تهدد حياته وسلامته ومستقبله.
وأشار الوزير إلى أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة يمثلان انتهاكًا جسيمًا، وقد يرقى إلى جريمة حرب وفقًا للقانون الدولي. وأضاف أن آثار هذه الجريمة لا تنتهي بإخراج الطفل من موقع التجنيد، إذ يحتاج بعد ذلك إلى الحماية وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي. وثمّن أهمية الورشة ودور منظمة ميون في مناهضة تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة.
من جانبها، قالت وزيرة الشؤون القانونية، القاضية إشراق المقطري، إن الحديث عن الطفولة في اليمن بات يستحضر صورًا مؤلمة لطفل لا يعرف سوى السلاح، أو ترك التعليم والتحق بالجبهات بحثًا عن لقمة العيش. وأضافت أن الورشة تذكّر بقضية حماية الطفولة في اليمن، وبأن مستقبل البلاد يظل مهددًا ما دام أطفالها معرضين للخطر، داعية إلى تكاتف الآليات الوطنية والدولية وتحمل مسؤولياتها تجاه أطفال اليمن.
وكانت منظمة ميون قد قالت إن تنظيم الورشة يهدف للفت انتباه المنظمات الدولية والمحلية والفاعلين المهتمين بالشأن اليمني إلى الانتهاكات المتزايدة التي يتعرض لها الأطفال، وفي مقدمتها تجنيدهم واستخدامهم في العمليات العسكرية والنزاع المسلح.
ووثّقت تقارير ميدانية وإعلامية مشاركة لافتة لأطفال مجندين، ولا سيما في صفوف قوات جماعة الحوثيين. ميون نفسها وثقت مقتل 75 طفلًا مجندًا في المواجهات المسلحة الأخيرة خلال شهري أغسطس وسبتمبر، وتمكنت من مراجعة مقاطع مصورة لأسرى تبيّن أن نسبة كبيرة منهم من الأطفال المجندين.
المسار التراكمي لصناعة الطفل المقاتل
بدورها، قدّمت منظمة ميون مداخلة مركزة بعنوان «المسار التراكمي لصناعة الطفل المقاتل». وقال المسؤول الإعلامي في المنظمة، ريان الشيباني، إن تجنيد الأطفال لدى جماعة أنصار الله (الحوثيين) يمثل، «نهجًا استراتيجيًا» ومسارًا تراكميًا يسبق عملية تسجيل الطفل أو تجنيده رسميًا بمراحل.
وأضاف: اظهرت دراسة أجرتها منظمة ميون (قيد المراجعة والتنقيح) أن المسار التراكمي يتضمن مجموعة من الآليات، من بينها التغييرات التي أُدخلها الحوثيين على المناهج، والأنشطة والبرامج الثقافية المدرسية، والمراكز الصيفية المفتوحة والمغلقة، وبرنامج «المعلم والطالب الرسالي»، والدورات الثقافية والعسكرية، بما فيها دورات «طوفان الأقصى»، فضلًا عن الدفع المنتظم بالأطفال إلى المشاركة في المهرجانات والفعاليات السياسية.
وبحسب الدراسة، تتكامل هذه الأنشطة ضمن مسار تراكمي يبدأ بالتلقين والتعبئة داخل البيئة التعليمية، ويمر بتطبيع حضور السلاح والمظاهر العسكرية في حياة الأطفال، وصولًا إلى التدريب والتهيئة للانخراط في النزاع المسلح، بحيث يصبح التجنيد نتيجة لمسار سابق ومتدرج، وليس حدثًا منفصلًا عنه.
وأشار الشيباني إلى أن هذا المسار تشرف عليه هيئات متعددة، من بينها اللجنة العليا للأنشطة والدورات الصيفية، وإدارات الأنشطة المدرسية في مكاتب التربية، والهيئة العامة للتعبئة، لافتًا إلى وجود هياكل تنظيمية مركزية وعلى مستوى المحافظات والمديريات والعزل والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة. وقال إن المعرض الفوتوغرافي المصاحب لورشة العمل يوثّق هذا المسار من خلال نماذج لأنشطة تضع الأطفال في مشاهد عسكرية أو في تدريبات نظرية وعملية.
وفي مداخلة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، استعرض الخبير الحقوقي غازي السامعي الآليات الدولية للمناصرة والمساءلة، والتوصيف القانوني لتجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة في ضوء القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وأوضح أن تجنيد الأطفال يُعد جريمة حرب في الحالات التي تنطبق عليها شروط التجريم، كما استعرض آليات دولية يمكن لمنظمات المجتمع المدني الاستفادة منها في جهودها لمناهضة هذه الممارسة في اليمن.
من جانبه، استعرض العميد الركن علي محمد سالم، المنسق العسكري للجنة الفنية المشتركة لمنع تجنيد الأطفال، الجهود التي بذلتها اللجنة خلال الفترة الماضية لمنع تجنيد الأطفال في القوات التابعة للحكومة اليمنية، مشيرًا إلى أن هذه الجهود أسهمت في رفع القوات المسلحة التابعة للحكومة الشرعية من قائمة الأطراف المنتهكة لحقوق الأطفال في النزاعات المسلحة عام 2022.
وأكد المشاركون أهمية تعزيز التنسيق والتعاون والشراكة بين مختلف الفاعلين لمكافحة تجنيد الأطفال، مشددين على أن حماية الأطفال مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الحكومة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والأسر والمجتمعات المحلية. كما أشادوا بجهود منظمة ميون لحقوق الإنسان، مؤكدين أن «كل جهد يُبذل اليوم لحماية الأطفال هو استثمار في مستقبل أكثر سلامًا وعدالة».
وفي الإطار، قال الممثل المقيم للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في اليمن، السيد أحمد سليمان، إن تجنيد الأطفال من الانتهاكات الجسيمة؛ لأنه يحرمهم من التعليم ومن حقهم في عيش حياة كريمة تلبي احتياجاتهم. ونبّه إلى أن الحروب تعرّض الأطفال لمخاطر متعددة، من بينها القتل والتشويه والإصابات، مؤكدًا أن تجنيد الأطفال يُعد جريمة جسيمة في نظر القانون الدولي.
وأشار سليمان إلى أن المفوضية تعمل على حماية حقوق الإنسان في اليمن، وأن الأطفال من الفئات التي تحظى بأولوية الحماية، معربًا عن استعداد المفوضية للتعاون مع المجتمع المدني والسلطات المعنية في رصد وقائع تجنيد الأطفال. واختتم بالتأكيد على أهمية الورشة، مشيدًا بدور منظمة ميون في حماية حقوق الإنسان ومكافحة تجنيد الأطفال في اليمن.
وفي ختام الورشة، تجوّل المشاركون في لمعرض الفوتوغرافي المصاحب، الذي ضم نماذج مصورة لأنشطة وبرامج تستهدف الأطفال في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين، وتُظهر مراحل متدرجة من التعبئة داخل البيئة التعليمية، وتطبيع حضور السلاح والمظاهر العسكرية، وصولًا إلى التدريب والتهيئة للانخراط في النزاع المسلح.
وقالت ميون إن المعرض يقدم توثيقًا بصريًا للمسار التراكمي الذي تناولته الدراسة، ويُظهر كيف تتداخل الأنشطة التعليمية والثقافية والتعبوية والعسكرية في تشكيل بيئة تهيئ الأطفال تدريجيًا للانخراط في النزاع.