آخر تحديث :الجمعة - 28 أغسطس 2026 - 10:44 م

كتابات


الجنوب... صراع النفوذ ولحظة الحسم (4)

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - 10:44 م بتوقيت عدن

الجنوب... صراع النفوذ ولحظة الحسم (4)

د.عبدالله عبدالصمد

هل وُلدت عقيدة جنوبية جديدة؟


من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي محلل سياسي هو الاعتقاد بأن التحولات الكبرى تبدأ دائماً بقرار سياسي.


فالتاريخ يعلمنا أن القرارات السياسية تأتي غالباً بعد أن تكون المجتمعات قد بدأت بتغيير قناعاتها، وأن التحولات الكبرى لا تصنعها البيانات وحدها، وإنما تصنعها التجارب التي تعيد تشكيل وعي الناس ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى الآخرين.


وما يجري اليوم في الجنوب قد يكون مثالاً واضحاً على هذه القاعدة.


فالجنوبيون لم يدخلوا الحرب في بدايتها باعتبارها حرباً لا تعنيهم، بل على العكس تماماً.


لقد كان الإيمان بالتحالف العربي، وخصوصاً بالدور السعودي، كبيراً لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين.


وكانت القناعة السائدة آنذاك أن مواجهة الحوثيين ليست فقط دفاعاً عن الجنوب، وإنما جزء من معركة عربية أوسع، وأن الوقوف إلى جانب التحالف سيؤدي في النهاية إلى حماية الجنوب، وإلى خلق واقع سياسي جديد يمكن من خلاله وضع القضية الجنوبية على طاولة الحل.


ولهذا لم يكتفِ أبناء الجنوب بالدفاع عن محافظاتهم.


لقد ذهبوا إلى جبهات خارج حدود الجنوب، وقاتلوا في مناطق عديدة من اليمن، وشاركوا في معارك الحديدة وتعز والبيضاء ومأرب وغيرها، كما شاركوا في الدفاع عن الحدود السعودية.


وسقط لهم شهداء، وأصيب آخرون، ودفعت أسر جنوبية ثمناً باهظاً في حرب لم تكن في بدايتها حرباً على أرض الجنوب وحدها.


وكانت الرسالة التي أراد الجنوبيون إيصالها واضحة:


نحن معكم في مواجهة الخطر، وسنقاتل حيث تقتضي المعركة، لكننا ننتظر في المقابل أن يُحترم حق الجنوب وقضيته.


بل إن الخطاب الجنوبي في مرحلة معينة وصل إلى أعلى درجات الالتزام بالتحالف، حين عبّر عيدروس الزبيدي عن استعداد القوات الجنوبية للقتال حيث يوجهها خادم الحرمين الشريفين، في تعبير واضح عن حجم الثقة التي كانت موجودة آنذاك بالتحالف وبالمملكة.


لم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي عابر.


لقد ترجم الجنوبيون هذا الموقف على الأرض.


قاتلوا، وتقدموا، وسقط منهم الشهداء، وتحملوا الخسائر، وشاركوا في معارك بعيدة عن أرضهم، وهم يعتقدون أن هذه التضحيات ستقود في النهاية إلى شراكة سياسية عادلة.


لكن السنوات اللاحقة حملت تجربة مختلفة تماماً.


عندما بدأت الأسئلة


طال أمد الحرب.


وتغيرت التحالفات.


وتبدلت الأولويات.


وانتقل جزء من الصراع من الميدان العسكري إلى غرف التفاوض.


وبينما كان الجنوبيون ينتظرون أن تتحول تضحياتهم إلى موقف سياسي واضح تجاه قضيتهم، وجدوا أن القضية الجنوبية ما زالت مؤجلة، وأن التفاهمات الإقليمية تجري في كثير من الأحيان من دون حضور جنوبي حقيقي.


وهنا بدأ السؤال الذي لم يكن مطروحاً بهذه القوة في السنوات الأولى:


ماذا حصلنا مقابل كل هذه التضحيات؟


لم يكن السؤال في البداية رفضاً للتحالف، ولا دعوة إلى القطيعة مع السعودية أو بقية دول المنطقة.


بل كان سؤالاً عن طبيعة العلاقة نفسها.


هل نحن شركاء، أم مجرد قوة عسكرية تستخدم عند الحاجة؟


هل تضحيات الجنوبيين جزء من شراكة سياسية، أم مجرد خدمة عسكرية في معركة الآخرين؟


وهل يُطلب من الجنوبي أن يقاتل خارج أرضه دفاعاً عن أمن الآخرين، بينما لا يُعترف في المقابل بحقه في تقرير مستقبل أرضه؟


هذه الأسئلة لم تولد فجأة.


لقد تراكمت مع السنوات.


ومع كل تطور سياسي جديد، كانت المسافة بين ما قدمه الجنوبيون وما حصلوا عليه سياسياً تبدو أكبر.


المفارقة التي صنعت الجرح


هناك مفارقة تركت أثراً عميقاً في الوعي الجنوبي.


فالجنوبيون ذهبوا إلى جبهات خارج حدودهم، وقاتلوا دفاعاً عن مدن ومناطق في اليمن ، ووصلوا إلى الحدود السعودية للدفاع عنها.


وفي المقابل، لم يشهد الجنوب مشاركة مماثلة من القوى اليمنية للدفاع عن حدوده عندما كان الجنوب يخوض معاركه.


وهنا لا يتعلق الأمر بالمقارنة العسكرية بقدر ما يتعلق بالشعور السياسي الذي نشأ لدى الجنوبيين:


لماذا يُطلب من الجنوب أن يدافع عن الآخرين، بينما لا يجد الآخرون أنفسهم مطالبين بالدفاع عن الجنوب بالقدر نفسه؟


هذا الشعور أصبح أكثر وضوحاً مع مرور الوقت، وتحول تدريجياً من سؤال فردي إلى جزء من النقاش العام حول معنى الشراكة نفسها.


ثم جاءت الضربة


لكن الخذلان السياسي شيء، والصدمة العسكرية شيء آخر.


فاللحظة التي يمكن اعتبارها نقطة تحول حقيقية في الوعي الجنوبي كانت عندما تحولت العلاقة من خلاف سياسي إلى مواجهة مباشرة.


وكانت الضربة التي تعرضت لها القوات الجنوبية من الطيران السعودي في حضرموت، وما رافقها من أحداث في صحراء ووادي حضرموت، بالنسبة إلى كثير من الجنوبيين بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.


فالقوات التي قاتلت لسنوات إلى جانب التحالف، والتي اعتقدت أنها جزء من منظومته العسكرية، وجدت نفسها في لحظة من اللحظات تحت ضربات الطيران التابع للدولة التي كانت ترى فيها الحليف الأكبر.


هنا لم تعد المسألة بالنسبة إلى كثير من الجنوبيين مجرد اختلاف في وجهات النظر.


لقد تحولت إلى سؤال وجودي:


إذا كان الحليف الذي قاتلنا إلى جانبه يمكن أن يوجه سلاحه ضدنا عندما تختلف الحسابات، فمن يضمن لنا أن مصالح الجنوب ستكون محفوظة في المستقبل؟


وهنا بدأت تتغير أشياء كثيرة.


فالثقة التي احتاج بناؤها سنوات يمكن أن تنهار في لحظة.


والجندي الذي كان يرى نفسه جزءاً من معركة مشتركة قد يبدأ في رؤية المعادلة بطريقة مختلفة:


الأولوية أولاً لأرضي، ثم لقضيتي، ثم لما يخدم مصالح بلدي.


ومن هنا بدأت تتشكل ملامح ما يمكن وصفه بـ "العقيدة الجنوبية الجديدة".


لكنها ليست عقيدة عسكرية مكتوبة حتى الآن، ولا وثيقة سياسية أعلنتها جميع القوى الجنوبية.


إنها في الأساس تحول في الوعي السياسي والعسكري.


أولوية الجنوب


الفكرة الجديدة التي بدأت تتشكل يمكن اختصارها في عبارة واحدة:


أولوية الجنوب.


أي أن أي قرار سياسي أو عسكري يجب أن يُقاس أولاً بمدى خدمته للمصلحة الجنوبية.


هل يخدم أمن الجنوب؟


هل يحمي أرضه؟


هل يعزز قراره السياسي؟


هل يقربه من أهدافه الوطنية؟


أم أنه مجرد استجابة لمشروع أو حرب أو حسابات إقليمية لا علاقة مباشرة لها بمستقبله؟


وهذا لا يعني أن الجنوب يجب أن يعزل نفسه عن محيطه العربي، أو أن يرفض التحالفات والعلاقات مع دول الجوار.


بل يعني إعادة تعريف هذه العلاقة.


من علاقة تقوم على انتظار التوجيه، إلى علاقة تقوم على المصالح المتبادلة.


ومن علاقة يعتبر فيها الجنوب قوة جاهزة لتنفيذ ما يطلب منها، إلى علاقة يكون فيها للجنوب أيضاً حق السؤال والرفض والقبول.


فالتحالف الحقيقي لا يعني أن يكون طرف تابعاً للطرف الآخر.


والشراكة لا تعني أن يقدم طرف الدم والسلاح بينما يحتفظ الطرف الآخر بحق تحديد النتائج.


من "مع من؟" إلى "لماذا؟"


لعل أهم ما يميز التحول الحالي أنه لا يجري في الخطاب السياسي فقط، بل في الثقافة السياسية نفسها.


فهناك فارق كبير بين مجتمع يسأل:


مع من نقاتل؟


ومجتمع أصبح يسأل قبل ذلك:


لماذا نقاتل؟ ومن أجل ماذا؟ وماذا سيعود ذلك على الجنوب؟


وهناك فارق أكبر بين أن يقول الجنوبي:


"نحن مع التحالف."


وبين أن يقول:


"نحن مع أي تحالف يحترم مصالح الجنوب وحقه السياسي."


هذا التحول في طريقة التفكير قد يكون أهم من أي بيان سياسي.


لأنه ينقل الجنوب من موقع رد الفعل إلى موقع التفكير في المصالح.


ومن الولاء للتحالفات إلى تقييم التحالفات.


ومن انتظار ما يقرره الآخرون إلى محاولة بناء قرار مستقل.


هل يعني ذلك رفض الحرب؟


ليس بالضرورة.


فالجنوب لا يستطيع أن يعيش خارج محيطه الإقليمي، ولا يستطيع تجاهل المخاطر التي تحيط به، ولا يمكن القول إن كل مشاركة خارج الحدود كانت خطأ.


بل إن كثيراً من التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب كانت نابعة من قناعة حقيقية بأن الخطر الحوثي يشكل تهديداً للمنطقة كلها.


لكن التجربة تقول إن المشاركة العسكرية يجب أن تكون مرتبطة بأهداف واضحة ومصالح واضحة وضمانات سياسية واضحة.


فلا يمكن أن تكون القوات الجنوبية دائماً هي الطرف الذي يُطلب منه القتال، ثم يكتشف بعد انتهاء المعركة أن القضية التي قاتل من أجلها قد تم تأجيلها مرة أخرى.


وهذا هو الدرس الذي يبدو أن السنوات الماضية زرعته في الوعي الجنوبي.


من الثقة إلى الحذر


لقد تغيرت نظرة الجنوبيين إلى التحالفات الإقليمية.


لم تعد الثقة مطلقة كما كانت في السنوات الأولى.


وأصبح هناك إدراك أكبر بأن الدول لا تتحرك بدافع العواطف، وإنما وفق مصالحها.


فالسعودية لديها مصالحها.


والإمارات لديها مصالحها.


والولايات المتحدة لديها مصالحها.


وكل دولة ستغير أدواتها وتحالفاتها عندما تتغير حساباتها.


ولذلك فإن أي مشروع وطني لا يمكن أن يبني مستقبله على افتراض أن الحليف سيبقى حليفاً إلى الأبد.


الحليف قد يتغير.


المصالح قد تتغير.


والقيادات قد تتغير.


أما الأرض والشعب، فهما الباقيان.


وهنا تكمن أهمية بناء القوة الذاتية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ومؤسسياً.


الاختبار القادم


لكن هذا التحول يحمل في داخله تحدياً كبيراً.


فإذا بقي مجرد غضب من أحداث المرحلة الأخيرة، فإنه قد يتراجع مع تغير الظروف.


أما إذا تحول إلى رؤية سياسية واضحة، فقد يصبح نقطة تحول تاريخية في طريقة تفكير الجنوب وعلاقته بمحيطه.


ولهذا فإن المسؤولية الآن تقع على القوى السياسية الجنوبية.


فالمطلوب ليس فقط القول: "لن نقاتل خارج الجنوب".


بل يجب أن يكون هناك جواب واضح عن أسئلة أكبر:


ما هي حدود الجنوب؟


ما هي عقيدته الأمنية؟


ما هي أولوياته العسكرية؟


كيف يحمي حدوده وموانئه وثرواته؟


كيف يتعامل مع جيرانه؟


ما طبيعة علاقته بالتحالفات الإقليمية؟


وما هي الضمانات التي تمنع استخدام القوات الجنوبية في صراعات لا تخدم أهدافها الوطنية؟


هذه الأسئلة لم تعد ترفاً سياسياً.


لقد أصبحت جزءاً من بناء المشروع الجنوبي نفسه.


هل نحن أمام عقيدة جنوبية جديدة؟


ربما يكون من المبكر القول إن عقيدة جنوبية جديدة قد اكتملت.


لكن المؤكد أن شيئاً مهماً قد تغير.


الجنوبي الذي كان يرى أن نجاح التحالف العربي هو الطريق الطبيعي إلى حل قضيته، أصبح أكثر حذراً.


والجندي الذي قاتل في مأرب والبيضاء وتعز والحديدة وعلى الحدود السعودية، أصبح يسأل عن حدود المهمة التي يُطلب منه القيام بها.


والشارع الذي منح التحالف ثقة كبيرة في سنوات الحرب الأولى، أصبح أكثر اهتماماً بالسؤال عن المقابل السياسي لهذه التضحيات.


وهذا لا يعني أن الجنوب أصبح ضد السعودية أو ضد التحالف.


بل يعني أن الجنوب بدأ، ربما للمرة الأولى بهذا الوضوح، في البحث عن معادلة مختلفة للعلاقة مع الآخرين:


لا قطيعة، ولا عداء مجاني، ولا تبعية.


بل مصالح متبادلة، واحترام متبادل، وقرار جنوبي مستقل.


وقد تكون هذه هي النتيجة الأهم التي خرج بها الجنوب من سنوات الحرب.


لقد قاتل أبناء الجنوب في معارك الآخرين، وسقطوا شهداء في أرض ليست أرضهم، دفاعاً عن أمن اعتقدوا أنه جزء من أمنهم.


لكن التجربة القاسية علمتهم أن الدفاع عن الآخرين لا ينبغي أن يأتي على حساب الدفاع عن قضيتهم.


ومن هنا قد تكون المرحلة القادمة مختلفة.


فالقوة التي قاتلت خارج حدودها سنوات طويلة قد تعود لتطرح سؤالاً أكثر أهمية:


متى يصبح الدفاع عن الجنوب هو الأولوية الأولى؟


وهذا السؤال لا يتعلق بالحرب وحدها.


إنه يتعلق بإعادة تعريف العلاقة مع التحالف، وبإعادة تعريف مفهوم الشراكة، وبإعادة تعريف وظيفة القوات الجنوبية، والأهم بإعادة تعريف موقع القضية الجنوبية في الحسابات الإقليمية.


لكن قبل أن نصل إلى هذه المرحلة، علينا أن نتوقف عند الطرف الذي أصبح اليوم صاحب النفوذ الأكبر في المشهد الجنوبي.


فبعد تراجع الدور الإماراتي المباشر، وتراجع موقع المجلس الانتقالي في مؤسسات السلطة، أصبحت الرياض تمسك بمفاتيح سياسية وعسكرية واقتصادية أكثر من أي وقت مضى.


وهنا يبدأ السؤال الأكثر حساسية:


ماذا تريد السعودية فعلاً من الجنوب؟


هل تريد جنوباً مستقراً شريكاً لها؟


أم جنوباً منزوع القرار السياسي؟


هل تريد احتواء القضية الجنوبية، أم إعادة تعريفها؟


وهل تنظر إلى الجنوب باعتباره قضية شعب وأرض، أم باعتباره ورقة ضمن التسوية اليمنية ومفاوضاتها مع الحوثيين؟


هذه الأسئلة ستكون محور الجزء القادم:


الجنوب... صراع النفوذ ولحظة الحسم (5)


السعودية والجنوب... من إدارة المشهد إلى محاولة إعادة تعريف القضية