آخر تحديث :الجمعة - 28 أغسطس 2026 - 06:58 م

كتابات واقلام


التعليم والامتحانات في الجنوب.. معركة حماية مستقبل الأجيال

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 06:58 م

معاذ الخلاقي
بقلم: معاذ الخلاقي - ارشيف الكاتب


يمثل التعليم الحصن الأخير لأي أمة تسعى إلى بناء مستقبلها واستعادة استقرارها؛ فهو الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات، وتصنع من خلاله الكفاءات، وتتشكّل به وعي الأجيال وقيمها. وعندما يتعرض هذا الحصن للاختلال والتراجع، فإن القضية لا تعود مجرد إخفاق إداري أو مشكلة موسمية، بل تتحول إلى خطر حقيقي يهدد مستقبل جيل كامل.

وما تشهده امتحانات الثانوية العامة في محافظات الجنوب من أزمات واختلالات، وما يُثار حول انتشار الغش وتسريب الأسئلة وغياب العدالة في التقييم، يستدعي وقفة جادة ومسؤولة؛ لأن استمرار هذه الممارسات، إن ثبتت، يضرب جوهر العملية التعليمية ويقوّض مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.

الغش.. ظلم للطالب المجتهد

لا يمكن النظر إلى الغش في امتحانات الثانوية العامة باعتباره مجرد مخالفة عابرة؛ فآثاره تتجاوز قاعة الامتحان لتصل إلى مستقبل الطالب والمجتمع بأكمله.

فعندما يحصل طالب على نتيجة لا تعكس مستواه الحقيقي، بينما يُحرم الطالب المجتهد من حقه في المنافسة العادلة، تتعرض قيمة الاجتهاد للانهيار، ويترسخ لدى الأجيال اعتقاد خطير مفاده أن النجاح يمكن الوصول إليه بطرق ملتوية، لا بالعلم والعمل والمثابرة.

والأخطر من ذلك أن استمرار مثل هذه الممارسات يفتح الطريق أمام دخول أشخاص غير مؤهلين إلى الجامعات والتخصصات والمهن التي تحتاج إلى الكفاءة والمسؤولية، وهو ما ينعكس مستقبلاً على مستوى المؤسسات والخدمات والمجتمع ككل.

التعليم جزء من هوية الجنوب

لم يكن الجنوب عبر تاريخه بعيداً عن العلم والتعليم والثقافة؛ فقد شكّل التحصيل العلمي والانضباط الأخلاقي ركيزة أساسية في بناء المجتمع وصناعة الوعي والحفاظ على الخصوصية الثقافية والتاريخية.

ومن هنا، فإن حماية التعليم ليست مجرد مسؤولية وزارة أو إدارة مدرسية، بل هي مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة.

فالهوية لا تُحفظ بالشعارات وحدها، وإنما تُصان ببناء الإنسان القادر على التفكير والوعي والمعرفة، وبترسيخ قيم النزاهة والانضباط واحترام القانون.

إن نشر ثقافة “النجاح السهل” على حساب العلم والجهد يمثل خطراً حقيقياً؛ لأن المجتمع الذي يفقد احترامه للعلم والكفاءة يفقد تدريجياً قدرته على صناعة مستقبله وحماية مصالحه.

غياب العدالة يهدم الثقة

حين يشعر الطالب المجتهد بأن جهده لا يساوي شيئاً أمام من يحصل على النجاح بطرق غير مشروعة، فإن الضرر لا يتوقف عند النتيجة الدراسية، بل يمتد إلى ثقته بالمؤسسات وبمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.

فالعدالة التعليمية تعني أن يخضع جميع الطلاب للمعايير نفسها، وأن تكون النتيجة انعكاساً حقيقياً لما بذله الطالب من جهد وما يمتلكه من معرفة.

أما اختلال هذه المعايير، أياً كان سببه أو المسؤول عنه، فإنه يؤدي إلى الإحباط وفقدان الثقة، ويضعف قيمة الاجتهاد في نفوس الشباب.

المسؤولية تبدأ بالمحاسبة

إن معالجة أزمة الامتحانات لا تكون بالتغطية على الأخطاء أو اعتبارها ظاهرة اعتيادية تتكرر كل عام، وإنما تبدأ بالتحقيق الجاد والشفاف في أي تجاوزات، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان موقعه.

كما أن حماية الامتحانات تتطلب إجراءات صارمة تمنع تسريب الأسئلة والغش الجماعي، وتضمن سرية الاختبارات، وتوفر رقابة حقيقية، وتمنح جميع الطلاب فرصاً متساوية وعادلة.

وفي المقابل، يجب ألا يتحول الحديث عن مكافحة الغش إلى اتهامات عامة تطال الجميع؛ فالعدالة تقتضي التحقق من الوقائع، وتحديد المسؤولية بناءً على الأدلة، وإنصاف الطلاب الذين التزموا بالقواعد.

معركة من أجل المستقبل

إن السكوت عن أي فساد أو تلاعب في العملية التعليمية يعني عملياً ترك المشكلة تتفاقم حتى تصبح أكثر صعوبة في العلاج.

ولذلك، فإن حماية التعليم في الجنوب يجب أن تكون أولوية وطنية، تبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم، ودعم المدارس، وتطوير المناهج، وتحسين بيئة التعليم، والأهم من ذلك كله: إعادة بناء منظومة الامتحانات على أساس النزاهة والشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص.

إن بناء الدولة والمجتمع يبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من تعليم حقيقي يحترم العلم والجهد والكفاءة.

ومن يريد مستقبلاً أفضل للجنوب، فعليه أن يدافع عن حق أبنائه في تعليم نزيه وعادل، لأن المعركة الحقيقية ليست على ورقة امتحان أو شهادة دراسية، وإنما على مستقبل جيل كامل.

فلا وطن قوياً بلا تعليم، ولا مجتمع مستقراً بلا عدالة، ولا مستقبل مشرقاً إذا أصبح النجاح مرهوناً بالغش بدلاً من العلم والاجتهاد.

حماية التعليم اليوم هي حماية لمستقبل الأجيال غداً.