في اليمن، لم تعد المخاطر التي تحيط بالصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي تقتصر على التهديد أو الاعتقال أو التضييق على حرية التعبير، بل وصلت في بعض الحالات إلى أخطر أشكال الانتهاكات: الاختفاء القسري.
حين يختفي صحفي، لا يغيب شخص عن أسرته فحسب، بل يغيب معه صوت كان يمارس حقه في نقل الحقيقة، وتغيب معه معلومة، وشهادة، وقصة كان من الممكن أن تصل إلى الناس. والأشد قسوة أن تتحول حالة الاختفاء إلى انتظار مفتوح تعيشه الأسرة بين الأمل والخوف، دون معرفة بمصير قريبها أو مكان وجوده أو حالته.
إن الاختفاء القسري ليس مجرد حرمان شخص من حريته، وإنما جريمة مركبة تنتهك جملة من الحقوق الأساسية، وتضع الضحية وأسرته أمام معاناة ممتدة. فالأسرة لا تواجه فقط ألم الغياب، بل تواجه أيضًا حالة من عدم اليقين، وتعيش أسئلة بلا إجابات: أين هو؟ هل ما زال حيًا؟ ما الذي تعرض له؟ ولماذا لا تستطيع معرفة مصيره؟
وتزداد خطورة هذه الجريمة عندما يكون الضحية صحفيًا أو عاملًا في المجال الإعلامي؛ لأن استهدافه لا يمس فردًا واحدًا فقط، بل يبعث برسالة ترهيب إلى الوسط الإعلامي بأكمله: الصمت أكثر أمانًا من الكلام، وطرح الأسئلة قد تكون له كلفة باهظة.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الاختفاء القسري: إنتاج الخوف. فالصحفي الذي يشاهد زميلًا يختفي دون أن يعرف مصيره قد يعيد حساباته قبل أن يكتب تحقيقًا، أو يكشف انتهاكًا، أو ينقل شهادة من منطقة نزاع. ومع مرور الوقت، يمكن لهذا الخوف أن يتحول إلى رقابة ذاتية، فتتراجع مساحة الصحافة الحرة ويصبح المجتمع أقل قدرة على معرفة ما يحدث من حوله.
ولا يمكن النظر إلى قضية الصحفيين المختفين قسرًا باعتبارها أرقامًا أو ملفات حقوقية جامدة. خلف كل حالة إنسان، وأسرة، وأبناء، ووالدان، وأصدقاء يعيشون تبعات الغياب. لذلك فإن التعامل مع هذه القضايا يجب أن يبدأ من الإنسان وحقه الأصيل في الحرية والسلامة ومعرفة مصيره.
إن كشف مصير المختفين قسرًا ليس مطلبًا ثانويًا أو قضية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الصراع. بل هو مسؤولية قانونية وأخلاقية وحقوقية، كما أن محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات تمثل خطوة أساسية لمنع تكرارها.
وفي المقابل، فإن حماية الصحفيين لا تعني فقط حمايتهم من الاعتداء المباشر، وإنما توفير بيئة يستطيعون فيها ممارسة مهنتهم دون خوف من الاختطاف أو الاعتقال التعسفي أو الاختفاء أو الانتقام بسبب عملهم. فالصحافة الحرة ليست امتيازًا للصحفيين، بل حق للمجتمع بأكمله في المعرفة والمساءلة.
من هنا تأتي أهمية فتح نقاش جاد حول واقع الاختفاء القسري للصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي في اليمن؛ نقاش لا يكتفي بتوصيف المشكلة، وإنما يبحث في أسبابها، ويوثق حالات الضحايا، ويستمع إلى أسرهم، ويطالب بكشف المصير، ويضع حماية الإعلاميين ضمن أولويات العمل الحقوقي والإنساني.
لقد آن الأوان لأن تتحول قضية المختفين قسرًا من ملفات مغلقة إلى قضية رأي عام، وأن تبقى أصوات أسرهم حاضرة، وأن يستمر السؤال حتى الوصول إلى الحقيقة.
فالاختفاء قد يُغيب الجسد، لكنه لا ينبغي أن يُغيب الحقيقة.
وكل صحفي اختفى قسرًا هو قصة لم تكتمل، ومسؤوليتنا أن نواصل طرح السؤال: أين هم؟ وما مصيرهم؟.