آخر تحديث :الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 09:28 م

كتابات


إلى متى ستظل حضرموت الحلقة الأضعف... وتُدار من قبل اليمنيين!

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 09:15 م بتوقيت عدن

إلى متى ستظل حضرموت الحلقة الأضعف... وتُدار من قبل اليمنيين!

صالح الفضلي

من يملك ثروة حضرموت: أهلها أم اليمنيون وأذنابهم الذين يتنازعون عليها من صنعاء ومأرب وتركيا؟


هناك حقيقة يصعب تجاهلها في المشهد اليمني الراهن: كلما اشتدت الصراعات على السلطة والثروة، اتجهت الأنظار إلى حضرموت. ليس لأن حضرموت هي الحلقة الأقوى فقط، وإنما لأن كثيراً من القوى المتصارعة تتعامل معها، منذ عقود، باعتبارها الحلقة التي يمكن اختراقها من الداخل.

فحضرموت التي تختزن الجزء الأكبر من الاحتياطي النفطي في جنوب الجزيرة المعروف، وتمتلك أطول شريط ساحلي تقريباً، وتطل على بحر العرب، وتمتد حدودها إلى المملكة العربية السعودية، لم تستطع حتى اليوم أن تحول هذه المقومات إلى قوة سياسية تفرض إرادتها في صنعاء أو عدن.

وهنا تكمن المأساة.

حضرموت ليست ضعيفة في مواردها، وإنما ضعيفة في قدرتها على حماية قرارها. وكلما عجز الحضارم عن إنتاج موقف سياسي موحد، وجد الآخرون فرصة لإنتاج حضرموت على مقاس مصالحهم.

التاريخ لا يرحم

ليست هذه المشكلة وليدة الحرب الراهنة. فالتاريخ الحضرمي يقدم أكثر من مثال على أن الانقسام الداخلي كان البوابة التي عبرت منها القوى الخارجية.

شهدت حضرموت في مراحل تاريخية سابقة تمدداً للنفوذ الزيدي، ووصل ذلك النفوذ إلى عدد من مناطق الوادي حتى تريم وعينات ولم يطردهم منها إلا المدد اليافعي. إذ تشير مصادر تاريخية إلى أن القوى المحلية استعانت بيافع لإنهاء ذلك النفوذ، وانتهت تلك المرحلة بخروج الزيدية من حضرموت.

المغزى هنا ليس تحميل مذهب أو منطقة مسؤولية تاريخية، وإنما فهم قاعدة تكررت بأشكال مختلفة:

حين تنقسم القوى المحلية، يصبح القرار المحلي قابلاً للمصادرة.

وما جرى في الماضي بالسلاح والمذهب، يمكن أن يجري اليوم بالجيش والحزب والمال والمناصب والتحالفات.

بعد الوحدة... النفط دخل المعادلة

بعد عام 1990 تغيرت طبيعة الصراع.

لم تعد حضرموت مجرد منطقة ذات موقع استراتيجي وتاريخ عريق؛ أصبحت أيضاً خزينة نفطية هائلة.

ويشير الدراسات إلى أن حوض المسيلة، الذي يمتد على مساحة واسعة من حضرموت، يحتوي على نحو 80% من احتياطيات النفط في جنوب الجزيرة .

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

كيف يمكن لحضرموت التي تمتلك هذه الثروة أن تكون ضعيفة سياسياً إلى هذا الحد؟

الإجابة المؤلمة أن النفط لم يتحول إلى قوة حضرمية، بل تحول في مراحل كثيرة إلى مصدر قوة للسلطة المركزية.

الثروة موجودة في حضرموت، لكن القرار المتعلق بها ظل خارجها.

والنتيجة أن حضرموت دفعت ثمن النفط مرتين: مرة حين خرجت الثروة من أرضها دون أن تحصل على ما يكفي من التنمية، ومرة حين أصبحت هذه الثروة نفسها سبباً في أطماع المتصارعين عليها.

الوادي... العقدة التي لم تُحل

إذا كان هناك مكان يكشف هشاشة المعادلة الحضرمية بوضوح، فهو وادي حضرموت والصحراء.

فلسنوات طويلة ظلت المنطقة العسكرية الأولى تمثل القوة العسكرية الرئيسية في الوادي، وكانت غالبية أفرادها من شمال اليمن، بحسب دراسات مركز صنعاء.

وبذلك أصبح من الطبيعي أن يشعر قطاع واسع من الحضارم بأن مناطقهم ليست تحت السيطرة الأمنية والعسكرية الحضرمية الكاملة.

المشكلة هنا ليست في كون الجندي يمنيا شمالياً ، وإنما في سؤال أكبر:

لماذا لا يكون الأمن في أرض حضرموت مسؤولية قوات حضرمية، تخضع لقرار حضرمي ومؤسسات حضرمية؟

وهذا السؤال ظل يتكرر لسنوات، إلى أن بدأت خلال الفترة الأخيرة إعادة ترتيب المشهد العسكري، مع انتشار قوات درع الوطن والتغييرات التي طالت قيادة المنطقة العسكرية الأولى.

لكن تغيير الزي العسكري لا يكفي.

فالمطلوب ليس استبدال قوة بأخرى، ولا نقل تبعية من مركز إلى مركز.

المطلوب هو إعادة القرار الأمني والعسكري إلى أبناء الأرض نفسها، ضمن مؤسسات الدولة والقانون.

الشمال لم يدخل حضرموت دائماً بالقوة

من السهل أن نقول إن "الشماليين سيطروا على حضرموت"، لكن هذه العبارة وحدها لا تفسر الحقيقة كاملة.

فالقوى القادمة من خارج حضرموت لم تدخل دائماً من بوابة الدبابة.

دخلت أيضاً من بوابة الحزب، والقبيلة، والمصلحة، والوظيفة، والتحالف، والانقسام المحلي.

وهنا يجب أن يتحمل الحضارم جزءاً من المسؤولية.

فلا يمكن لأي قوة خارجية أن تستمر في التأثير داخل مجتمع متماسك، ما لم تجد في الداخل من يفتح لها الأبواب.

لقد استطاعت القوى اليمنية المختلفة، خلال العقود الماضية، أن تستثمر في التناقضات الحضرمية، وأن تستقطب شخصيات وقيادات ونخباً حضرمية للعمل ضمن مشاريعها السياسية.

وهذا لا يعني اتهام كل حضرمي تعاون مع سلطة صنعاء بأنه "عميل".

فالسياسة أكثر تعقيداً من ذلك. لكن الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها هي أن النخب الحضرمية لم تستطع إنتاج مشروع سياسي مستقل يحظى بإجماع واسع، ولذلك ظلت مشاريع الآخرين تجد لها وكلاء وحلفاء داخل حضرموت.

من علي عبدالله صالح إلى العليمي... هل تغيرت القاعدة؟

قد تتغير الأسماء، وتتغير التحالفات، وتتغير الشعارات، لكن السؤال الأساسي يبقى واحداً:

من يقرر مصير حضرموت؟

في عهد علي عبدالله صالح كانت السلطة المركزية تمسك بمفاصل الدولة والثروة.

وبعد 2011 جاءت مرحلة جديدة، لكنها لم تنهِ الصراع على حضرموت.

ثم جاءت الحرب، فتعددت القوى العسكرية والسياسية، وأصبح للتحالف وقوى يمنية مختلفة حضور مباشر وغير مباشر في المحافظة.

واليوم تقف حضرموت أمام مرحلة أكثر تعقيداً.

هناك المجلس الرئاسي، وهناك محافظ حضرموت، وهناك حلف قبائل حضرموت، وهناك مكونات سياسية وقبلية واجتماعية أخرى، إضافة إلى التشكيلات العسكرية المختلفة.

الجميع يتحدث باسم حضرموت، لكن حضرموت نفسها لم تتفق بعد على من يتحدث باسمها.

وهذه هي الثغرة التي تجعلها الحلقة الأسهل في الحسابات السياسية.

المجلس التنسيقي... فرصة أم محاولة لإبتكار طريقة جديدة لإخاع حضرموت؟

من هنا ينبغي النظر إلى المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية الذي أُعلنه العليمي ووضع على راسه المحافظ المؤتمري سالم الخنبشي .

يبدو أن المجلس مجرد إطار جديد لإعادة ترتيب النخب والمكونات بما يخدم توازنات سياسية أكبر من حضرموت نفسها.

والحكم هنا لا يكون بالشعارات.فهذا المجلس لا يستطيع أن يقول "لا" عندما تتعارض قرارات سلطة العليمي وصنعاء مع مصالح حضرموت؟

هل يستطيع أن يطالب بحصة عادلة وشفافة من عائدات النفط؟

هل يستطيع أن يطالب بجيش وأمن حضرميين او ان ليس لده الا تهديد الحضارم بقوات الطوارئ اليمنية ؟

هل يستطيع أن يضع حداً لتحويل حضرموت إلى ساحة لتسوية صراعات الآخرين؟

وهل يستطيع أن يرفض أن تتحول حضرموت إلى مجرد خزينة مفتوحة لمن يسيطر على صنعاء؟

وهناك خطة مؤكدة لمنح صنعاء 80% من نفط حضرموت، بوثائق اتفاقات سيتم تنفيذها قريبا.

والخوف من عودة المركزية في إدارة النفط والثروة خوف مشروع، لأن تجربة العقود الماضية تجعل الحضارم أكثر من أي وقت مضى مطالبين بالتدقيق في كل اتفاق يتعلق بثروتهم.

الخطر الحقيقي المحدق بحضرموت اليوم هو ان هناك إرادة يمنية مدعومة من صنعاء، أو مأرب، أو من خارج الحدود.

ومع ذلك حضرموت ليست ملكاً لجغرافيا سياسية أخرى.

وليست خزينة لتمويل حرب الآخرين.

وليست ساحة لتصفية الحسابات بين القوى اليمنية.

وليست غنيمة يمكن أن يحصل عليها الطرف المنتصر في نهاية الحرب.

حضرموت أمام امتحان تاريخي

اليوم تقف حضرموت أمام فرصة ربما تكون من أهم الفرص في تاريخها الحديث.

فإذا استطاعت مكوناتها السياسية والقبلية والاجتماعية أن تتفق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة، فإنها تستطيع أن تحول ثروتها وموقعها ومساحتها إلى أوراق قوة حقيقية.

أما إذا استمر كل طرف في البحث عن مظلة خارجية تحميه من الطرف الحضرمي الآخر، فإن النتيجة ستكون واضحة:

سيختلف الآخرون على حضرموت، بينما تختلف حضرموت على نفسها.

وهنا فقط تصبح الحلقة الأضعف.

والمعركة الحقيقية هي بين حضرموت التي تريد أن تمتلك قرارها، وحضرموت التي يقبل بعض أبنائها أن يتحدث الآخرون باسمها.

والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه كل حضرمي اليوم ليس: من معنا ومن ضدنا؟

بل: من يملك أرضنا؟ من يقرر أمننا؟ من يدير ثروتنا؟

ومن يحدد مستقبل أبنائنا؟

هل حضرموت مستعدة لامتلاك قرارها. أو أنها ستظل الحلقة الأضعف واللقمة سائغة لأي طرف.