آخر تحديث :الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 05:07 م

كتابات واقلام


حين تُدار اليمن بالتوازن ويُدار الجنوب بالوصاية

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - الساعة 04:59 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


ليست المشكلة في اليمن (صنعاء) أن القوى السياسية فيها اختلفت، فاختلاف القوى اليمنية (مؤتمر، إخوان، حوثي، ناصري) على السلطة أمرٌ مألوف في تاريخ الدول، وإنما المشكلة حين يتحول اختلافها إلى نظامٍ لإدارة الدولة، وحين يصبح الصراع بينها وسيلةً لإعادة إنتاج النفوذ بدل أن يكون طريقًا لبناء الدولة. والأخطر من ذلك أن يُنقل هذا الصراع من جغرافيا اليمن في صنعاء إلى الجنوب، ثم يُطلب من الجنوب أن يكون طرفًا في معادلة لم يصنعها، وأن يقبل أن يُعرَّف مستقبله من خلال القوى التي تتصارع على سلطة صنعاء.
وهنا ينبغي أن يكون التفريق واضحًا لا لبس فيه: اليمن عاصمته صنعاء شيء، والجنوب عاصمته عدن شيء آخر. فحين نقول اليمن في سياق الصراع السياسي الراهن، فإن المقصود هو منظومة الحكم والقوى السياسية التي تشكلت تاريخيًا في إطار الجمهورية العربية اليمنية؛ المؤتمر الشعبي العام، والإصلاح، والحوثيون، وبقية الأحزاب والقوى التي تنازعت على السلطة في صنعاء، وتحالفت وتخاصمت وتقاتلت، ثم عادت إلى التقاطع كلما اقتضت مصالحها ذلك. أما الجنوب، فليس مجرد طرفٍ حزبي داخل هذه المعادلة، بل فضاء سياسي ارتبط تاريخيًا بدولة الجنوب العربي، ثم قامت بعد الاستقلال جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وظلت لها دولتها ومؤسساتها وجيشها وهويتها السياسية حتى دخلت في مشروع الوحدة عام 1990.
ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ الخطأ الذي ما زال يربك كل محاولات التسوية: قوى اليمن في صنعاء تتصارع على الدولة، بينما شعب الجنوب يتصارع على مستقبل دولة. ومن هنا فاليمن يبحث عن صيغة للحكم والسلطة والنفوذ، والجنوب يبحث عن صيغة تعيد تعريف علاقته بالدولة التي دخلت معها في وحدة ثم انتهت تلك الشراكة بحرب 1994 التي جسدت مفهوم الاحتلال للدقة صوره وما أعقبها من إقصاء وهيمنة وتدمير لمؤسسات الجنوب ومقدراته.
لقد كان تاريخ الجمهورية العربية اليمنية، قبل الوحدة وبعدها، حافلًا بتحالفات سياسية لم تكن تُبنى دائمًا على انسجام المشاريع، بل على تقاطع المصالح؛ فالمؤتمر الشعبي العام تقاطع مع القوى الإسلامية، ودخلت شخصيات وقوى إصلاحية ومؤتمرية في تحالفات وصراعات متغيرة كما في حرب 1994، كما وجد الحوثيون أنفسهم في مراحل مختلفة داخل تقاطعات سياسية مع خصومهم السابقين. وفي عام 2011 انفتحت البلاد على صراعٍ واسع حول السلطة، ثم جاءت المبادرة الخليجية محاولةً لإدارة الانتقال وتوزيع النفوذ بين القوى اليمنية المتنافسة، قبل أن تتعثر المرحلة الانتقالية وتنفتح الطريق أمام انفجار 2014 ثم حرب 2015.
وهكذا ظل تاريخ صنعاء السياسي يتحرك في دائرة واحدة: تحالفٌ مؤقت، ثم خصومة، ثم تحالف مضاد، ثم انقلاب على الحليف، ثم إعادة توزيع للسلطة. ومن هنا فالمؤتمر والإصلاح والحوثيون وبقية القوى لم يكونوا دائمًا في خندق واحد، لكنهم ظلوا جميعًا، بدرجات مختلفة، داخل سؤالٍ واحد: من يحكم اليمن؟ ومن يمتلك مؤسسات الدولة؟ ومن يسيطر على مركز القرار؟
وهذا السؤال، مهما بلغت تعقيداته، ليس هو سؤال الجنوب.
فالجنوب لم يدخل الوحدة بوصفه حزبًا يبحث عن وزارة، ولا بوصفه جماعةً تطالب بحصة في حكومة صنعاء؛ بل دخلها بوصفه دولةً قائمةً ذات مؤسسات وحدود وجيش ونظام سياسي. ولذلك فإن ما حدث بعد حرب 1994 لم يكن في الوعي الجنوبي مجرد تغييرٍ في الحكومة أو انقلابٍ على توازن حزبي، وإنما تحوّلًا عميقًا في طبيعة العلاقة السياسية والشراكة الندية بين طرفين كانا قد دخلا الوحدة كشريكين، وتحولت هذه حرب 1994 وما كرسته حرب 2015 مفهوم الاحتلال بأبشع صوره. ومن هنا ولدت الموجة المتصاعدة للحراك الجنوبي، ثم تطورت مطالبها من إصلاح مسار الوحدة إلى مطالب أكثر وضوحًا في استعادة دولة الجنوب.
لقد كان الجنوب، في مراحل مختلفة من تاريخه، يبحث عن حاملٍ سياسي لمشروعه؛ حملت الجبهة القومية مشروع التحرير والاستقلال1967، ثم تولى الحزب الاشتراكي اليمني 1978قيادة الدولة الجنوبية وإدارة مؤسساتها السياسية بكفاءة واقتدار، وبعد سنوات الحرب والوحدة والإقصاء ظهر الحراك الجنوبي بمكوناته بوصفها تعبيرًا شعبيًا واسعًا عن رفض الواقع المفروض والمطالبة بعدالة قضية شعبهم، ثم جاء المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه محاولةً لإعادة تنظيم هذا المسار وتوحيد مكونات جنوبية متعددة تحت رؤية سياسية أكثر وضوحًا في اتجاه استعادة دولة الجنوب.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: بينما ظل صراع اليمن (صنعاء) يدور حول من يحكم؟، ظل سؤال الجنوب(عدن) يدور حول من يقرر مستقبل الجنوب؟ وبين السؤالين مسافة سياسية لا يجوز اختزالها في مقعدٍ وزاري أو عضوية مجلس أو حصةٍ في حكومة.
ولهذا فإن إدخال الجنوب في تسويات القوى اليمنية من بوابة المناصفة الحزبية لا يحل قضية شعب تبحث عن وطن، حتى لو بدا في ظاهره تمثيلًا عادلًا؛ فالجنوب ليس مجموع الحصص الجنوبية داخل الأحزاب اليمنية؛ كما أن الجنوبي الذي يحمل عضوية حزبٍ نشأ في إطار الدولة اليمنية لا يصبح تلقائيًا ممثلًا للإرادة السياسية لشعب الجنوب وهناك فرق بين جنوبي يمثل حزبًا يمنيًا، وبين ممثل سياسي يحمل تفويضًا للتفاوض على قضية الجنوب، وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن تدركه الرياض قبل غيرها.
فالمملكة العربية السعودية، بحكم موقعها وتأثيرها، تستطيع أن تؤثر في مسار التسوية اليمنية بسم الشرعية المعترف بها دوليًّا من خلال تأثير دبلوماسية الرياض، لكنها لا تستطيع أن تجعل من أزمة اليمن في صنعاء معيارًا لتحديد مستقبل الجنوب في عدن؛ فالسعودية تستطيع أن تدعم الحوار، وأن تجمع الخصوم، وأن ترعى الاتفاقات، وأن تعمل على حماية أمنها وحدودها؛ لكنها إذا أرادت سلامًا مستدامًا، فإن عليها أن تفرق بين تسوية الصراع على سلطة اليمن في صنعاء وبين تسوية عدالة قضية شعب الجنوب في عدن؛ لأن الخلط بينهما يمنح القوى اليمنية المتصارعة فرصةً جديدة لإعادة إنتاج نفسها في الجنوب. وحين يصبح الجنوب ساحةً لاستيعاب أحزاب صنعاء وتياراتها، تتحول جغرافيا الجنوب إلى مسرحٍ لصراعٍ سياسي لا ينتمي إلى أصل قضية شعب الجنوب. وحين تُستحدث المكونات والواجهات تحت عناوين مختلفة لتنافس القوى التي تمتلك حضورًا شعبيًا وسياسيًا، فإن كثرة الأسماء لا تصنع شرعية، كما أن كثرة المنابر لا تعني تعدد الإرادات. ولهذا فالشرعية لا تُخلق بقرارٍ إداري، ولا تُمنح بمجرد الرعاية السياسية؛ بل الشرعية تُنتزع من المجتمع بثقة الناس وتفويضهم وقدرة الممثل على التعبير عن إرادتهم.
ومن هنا أيضًا ينبغي إعادة قراءة اتفاق الرياض، فقد كان إدخال المجلس الانتقالي الجنوبي في المعادلة السياسية اعترافًا عمليًا بأن تجاوز القوة السياسية الجنوبية الأكثر حضورًا لم يعد ممكنًا؛ لكن تحويل مشاركته الجنوبية إلى مجرد حصةٍ في سلطةٍ يمنية، دون ضمان أن تكون لقضية شعب الجنوب إرادتها التفاوضية المستقلة، يعيد إنتاج المشكلة ذاتها بثوبٍ جديد؛ فالجنوب لا يحتاج إلى أن يكون شريكًا في حكم صنعاء بقدر ما يحتاج إلى أن يكون شريكًا في تقرير مصيره.
وهذه ليست دعوة إلى إقصاء أحد، ولا إلى مصادرة حق أي جنوبي في العمل السياسي، وإنما هي دعوة إلى احترام الفارق بين التعدد السياسي داخل الجنوب وبين مصادرة قضية شعالجنوب باسم هذا التعدد. فمن الطبيعي أن تختلف الأحزاب والشخصيات والمكونات الجنوبية في الوسائل والتفاصيل، لكن ليس من حق القوى الخارجية أن تستخدم هذا الاختلاف ذريعةً لإلغاء السؤال الشعبي الأكبر، كما ليس من حق القوى اليمنية أن تستعيد نفوذها في الجنوب عبر بوابة الانقسامات الجنوبية.
وهنا تظهر أخطر صور سياسة التوازن الذي تعمل عليه الرياض من منطلق استراتيجيتها: أن يُستخدم كل طرف لمعادلة طرف آخر، حتى يصبح الجميع بحاجةٍ إلى من يوازن بينهم ويصبح عندها التوازن لا يعود طريقًا إلى السلام، بل يصبح طريقةً لإدارة الصراع وإبقائه قابلًا للتحكم وتتحول سياسة فرق تسد من شعارٍ تاريخي إلى ممارسة سياسية غير مباشرة: لا تسمح لطرفٍ بأن يحسم، ولا تمنح القضية فرصةً للوصول إلى نهايتها، وأبقِ الجميع محتاجين إلى الوسيط.
ومن هنا يجب أن تدرك الرياض مخاطر هذه السياسة من أن الجنوب ليس ملفًا يمكن تدويره إلى الأبد؛ لأن هذا الشعب، الذي عاش دولةً باسم الجنوب العربي، ثم دولةً باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ثم دخل وحدةً سياسية مع الجمهورية العربية اليمنية، ثم عاش حرب 1994 وما أعقبها، لا يمكن اختزال ذاكرته السياسية في خلافٍ بين المؤتمر والإصلاح والحوثيين. هؤلاء يتصارعون على شكل السلطة في صنعاء؛ أما الجنوب فيتصارع على شكل مستقبله السياسي.
ولهذا فإن محاولة إعادة الجنوب إلى مربع الفئات والمكونات والمجالس التنسيقية لا تستطيع إلغاء حقيقة قضية شعب الجنوب وراءها إرادة صلبة، كما أن استدعاء تاريخ الجنوب وتجزئة مراحله السياسية لا يخلق بديلًا عن الإرادة الشعبية؛ فالجبهة القومية كانت مرحلةً تاريخية، والحزب الاشتراكي كان مرحلةً تاريخية، والحراك الجنوبي كان مرحلةً تاريخية، والمجلس الانتقالي يمثل مرحلةً سياسية راهنة؛ أما الثابت الأهم فهو إرادة الشعب التي تتطور أدوات التعبير عنها مع تطور المراحل.
إن الخطأ الاستراتيجي الأكبر هو الاعتقاد بأن الجنوب يمكن أن يُدار بالطريقة التي أُديرت بها صنعاء. فصنعاء يمكن أن تتسع لتسوية بين أحزاب تتنافس على السلطة، أما الجنوب فلا يمكن أن تُحل قضيته بتقاسم السلطة بين تلك الأحزاب. صنعاء تحتاج إلى تسوية سياسية؛ أما الجنوب فيحتاج إلى تسوية سياسية عادلة تعترف أولًا بطبيعة قضيته وبحق شعبه في تحديد مستقبله.
وهنا لا يعود السؤال: أي حزب سيحكم صنعاء؟ بل يصبح السؤال: هل سيُسمح لشعب الجنوب بأن يكون صاحب القرار في مستقبله، أم سيظل مستقبل أرضه موضوعًا للتفاوض بين الآخرين؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للرياض، كما هو الامتحان الحقيقي لكل القوى اليمنية.
فإذا أرادت المملكة أمنًا مستدامًا، فعليها أن تدرك أن الأمن لا يُبنى بإدارة الانقسامات إلى ما لا نهاية، وإنما بإغلاق ملفات الصراع من جذورها، وإذا أرادت تسويةً يمنيةً مستقرة، فعليها أن تفرق بين الجمهورية التي تنازعت عليها قوى صنعاء، وبين الجنوب الذي يطالب بتحديد مستقبله السياسي، وإذا أرادت أن تكون وسيطًا لا طرفًا في الصراع، فإن أول شروط الوساطة العادلة ألا تصنع بديلًا عن أصحاب القضية، وألا تجعل من هندسة المكونات وسيلةً لإعادة تعريف إرادة الشعوب؛ فالجنوب لا يريد أن يكون ورقةً في صراع صنعاء، ولا يريد أن يصبح جغرافيا لتوازنات الأحزاب اليمنية، ولا أن تتحول قضيته إلى ملفٍ إداري في تسويةٍ ترسمها مراكز القرار الإقليمية، بل الجنوب يريد شيئًا أكثر وضوحًا وأشد بساطة: أن يكون شعب الجنوب هو صاحب الكلمة في مستقبل الجنوب، وإذا كانت قوى الجمهورية العربية اليمنية قد أمضت عقودًا تتصارع على سلطة صنعاء، فإن ذلك شأنٌ يخصها، ويمكنها أن تتصالح أو تتقاسم أو تعيد بناء نظامها السياسي. أما أن تتحول خلافاتها إلى معيارٍ لتحديد مستقبل دولة الجنوب، فهنا يبدأ الظلم السياسي من جديد؛ لأن أزمة صنعاء أزمةُ سلطة، أما قضية الجنوب فقضيةُ استعادة وطن، وصنعاء تبحث عمّن يحكم، أما الجنوب فيبحث عمّن يقرر.
وبين السؤالين، لا تستطيع خرائط التوازن أن تصنع عدالة، ولا تستطيع الوصاية أن تصنع شرعية.
والحل الذي يتجاهل هذه الحقيقة قد ينجح في تأجيل الصراع، لكنه لن ينجح في إنهائه؛ لأن الشعوب قد تقبل هدنةً تحت ضغط الظروف، وقد تصمت أمام موازين القوة، لكنها لا تتخلى بالضرورة عن حقها في أن تكون صاحبة القرار في مستقبلها.
وهنا تحديدًا ينبغي أن ينتهي ميزان الفوضى: ليس بانتصار طرفٍ على آخر، وإنما بالاعتراف بأن لكل قضية أصحابها، ولكل شعبٍ حقه في أن يُسمع صوته، وأن التسوية الحقيقية لا تبدأ من سؤال: كيف نُبقي الجميع متوازنين؟ بل من سؤال أكثر عدلًا ووضوحًا: كيف نُنهي أسباب الصراع، ونترك لكل شعب حق تقرير مستقبله؟
فما يصلح لتسوية صراع صنعاء لا يصلح بالضرورة لحل قضية شعب الجنوب؛ لأن سلطة صنعاء يمكن تقاسمها، أما وطن الجنوب فلا يجوز أن يكون حصةً في تقاسم الآخرين.