آخر تحديث :الأحد - 30 أغسطس 2026 - 05:38 م

كتابات واقلام


حين تُعرَّف عدالة قضية شعب الجنوب من بوابة صنعاء بوصاية سعودية

الأحد - 30 أغسطس 2026 - الساعة 05:34 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


كلما اقتربت ساعة الحديث عن تسوية سياسية شاملة، عاد الجنوب إلى المكان ذاته؛ أي في المكان الذي يجب أن يكون خارج الغرف المغلقة التي يُفترض أن يُناقش فيها مصيره واستحقاقاته، غير أننا نرى كيف تُفتح الخرائط، وتُستدعى المرجعيات، وتتحرك عاصمة الإقليم عبر دبلوماسيتها وتأثيرها المالي والاقتصادي والسياسي، ثم يبدأ الجميع في تعريف قضية شعب الجنوب نيابةً عن إرادة الشعب؛ مرةً من بوابة الشرعية اليمنية ومرجعياتها، ومرةً من واقعٍ يفرضه الحوثي بقوة السلاح، وفي الحالتين تبقى صنعاء هي نقطة البداية والنهاية، وكأن الجنوب لا يملك من تاريخه ودمه وأرضه ما يكفي ليكون مصدرًا لتعريف قضيته وعدالتها على وفق إرادة الشعب وتضحياته الجسام ومشروعه السياسي الواضح في مطالبه التحررية.
وهنا تكمن المفارقة التي لا تستطيع كثرة المصطلحات السياسية إخفاءها وهي، لماذا يصبح مستقبل شعبٍ رهينةً للتعريف الذي يضعه خصومه؟ وكيف تتحول العدالة من حقٍّ يستمد معناه من تجربة صاحب الأرض المحتلة إلى حكمٍ يصدر عن القوى التي كانت جزءًا من صراعه ومأساته واحتلال أرضه وسلب هويته؟ وبهذا فإن الوصاية، مهما تبدلت لغتها، تبدأ حين يُسلب الشعب حقه في تسمية جرحه، وحين يُطلب من شعبٍ أن ينتظر من الآخرين أن يخبره بحجم ما فقد، وبمقدار ما يستحق من حق.
لقد أصبح المشهد أكثر غرابة: إن حضرت الشرعية، قيل إن الطريق إلى الجنوب يمر عبر المرجعيات الثلاث؛ وإن فرض الحوثي واقعًا جديدًا، أصبح الواقع ذاته مرجعيةً ينبغي التعامل معها، وفي كل مرة تتغير الأبواب، لكن الباب الذي يُراد للجنوب أن يخرج منه إلى مستقبله يظل في صنعاء. أما إرادة الشعب الذي دفع ثمن الحروب، وخسر الأرض والإنسان والسيادة، فتُؤجَّل إلى ما بعد الاتفاق، وكأن إرادة الشعوب تفصيلٌ يمكن إضافته إلى التسوية بعد أن يكتمل رسمها.
ومن هنا فالمشكلة ليست في النصوص وحدها، بل في الطريقة التي تُستدعى بها؛ فالمرجعية تصبح مقدسةً حين يُراد بها تقييد إرادة الجنوب، ثم تصبح قابلةً للتجاوز والتأويل عندما تعترض مصالح القوى الأخرى. وهكذا تتحول السياسة إلى ميزانٍ أعوج: ما يفعله الأقوياء يُسمى واقعًا، وما يطالب به الشعب الجنوبي المسلوب يُسمى خطرًا على التسوية ومركو قانونية الشرعية الهاربة والأمن القومي الإقليمي، وما يُفرض بالسلاح يصبح معطًى سياسيًّا، أما ما يُطلب باسم الدم والذاكرة والحق فيُحال إلى لجانٍ وحواراتٍ ومواعيد مؤجلة وتفريخ مكونات ومجالس تنسيقية تزور الإدارة الصلبة التي باتت حامية المشروع التحرري.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الرياض، قبل غيرها، ليس كيف تريد إدارة التسوية، بل: من منحها حق الوصاية على تعريف عدالة قضية شعب الجنوب؟ وهل يمكن لعدالةٍ أن تولد من تعريف المصلحة لصالح الطرف المحتل لأرض الجنوب المسبب في وقوع المأساة على الطرف الواقع عليه الاحتلال؟ وهل يُعقل أن يُطلب ممن وقعت على أرضه الحروب أن يقبل رواية من تنازعوا عليها، ثم يشكرهم لأنهم سمحوا له بالجلوس إلى الطاولة على حساب تطبيق حل تراه الوصاية السعودية عادلًا على حساب عدالة قضيته؟
إن قضية الجنوب ليست مشكلةً إدارية في دولةٍ متعثرة، ولا ورقةً يمكن ترتيبها داخل تفاهمات القوى اليمنية، وليست منحةً تنتظر توقيعًا إقليميًّا، بل هي قضية شعبٍ لا تُستمد عدالتها من رضا صنعاء ولا بوابتها الاحتلالية، ولا ينبغي أن تكون مشروطةً بموافقة الحوثي أو الشرعية الهاربة، لأن الحق لا يفقد مشروعيته بتغير الحكام، ولا تستبدل إرادة الشعوب بإرادة الغالبين.
إن أخطر ما في الحل الشامل الذي تتبناه الوصاية السعودية هو حين يُصاغ بهذه الطريقة أنه قد يتحول إلى اسمٍ جميل لإعادة إنتاج المأساة وأن يُطلب من الجنوب أن يسلّم بمستقبله لمن اختلفوا طويلًا على أرضه، ثم يُقال له إن هذه هي العدالة الممكنة.
والعدالة الممكنة، حين تكون أقل من حق الضحية في تعريف مظلمته ومستقبله، ليست عدالة؛ إنها تسوية للقوة على حساب الحق؛ فالشعب المظلوم لا يحتاج إلى من يكتب له معنى مظلمته، والشعب الذي قدّم الدم دفاعًا عن هويته وأرضه لا ينبغي أن ينتظر من الآخرين شهادةً تثبت أنه صاحب قضية. ومن هنا يبدأ السؤال الأكبر، الذي يتجاوز الجنوب إلى كل قضايا الشعوب: هل تُعرَّف العدالة من منطلق من وقع عليه الظلم، أم من منطلق الطرف الذي امتلك القوة وفرض تعريفه للواقع؟
إن المأساة لا تنتهي حين يتفق الأقوياء، بل حين يستعيد أصحابها حقهم في تقرير ما يريدون وكل حلٍّ يبدأ من صنعاء ليحدد للجنوب معنى عدالته، ويُدار بوصايةٍ من الرياض، قبل أن يبدأ من إرادة شعب الجنوب، سيظل حلًّا يبحث عن الاستقرار في المكان الذي يجعل الاستقرار لغمًا والعدالة فخًا والتسوية مجرد هروب لا رعاية حل. فالعدالة التي يكتبها الأقوياء للمظلوم ليست عدالة بالضرورة، والسلام الذي يُعرَّف خارج إرادة أصحاب القضية ليس سلامًا؛ إنه تأجيلٌ جديد للمأساة، باسم حلٍّ شامل.