2 سبتمبر 2026م
أختصرت مضامين البيان التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي تهنئة للخنبشي من احد دعاة مخرجات الحوار يقول محتواها:
"نحن مع حضرموت أولاً ، ولكن حضرموت أولاً داخل اليمن أولاً" والمعنى الأوضح أنها تهنئة للشرعية اليمنية بهذا البيان
صدر في المكلا البيان التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى من 56 بنداً وشعار واضح: "حضرموت أولاً"
والملفت أن البيان جاء جاهزاً وكأنه بيان مكون سياسي واحد وليس بيان مؤتمر تأسيسي تنسيقي لعدة مكونات تحمل تباينات ، فغابت فيه لغة التوافق والتراضي التي يفترض أن تميز ميلاد جسم "تنسيقي جامع"، وحضر بدلاً عنها خطاب مركزي موحد السقف والقرار. وهذا وحده يثبت أن طرفاً واحداً نسّق مع نفسه لا جسماً جامعاً*
*الوثيقة تستحق القراءة لأنها تعلن ميلاد لاعب جديد في معادلة معقدة، لكن السؤال: هل هذا الميلاد سيخلق استقراراً؟ وأين يضع القضية الجنوبية وهي تمتلك عمقاً وسعة في المجتمع الحضرمي، وسقفها ليس الإدارة الذاتية أو "اليمن أولاً" كما "دندنت بنودها" وأكدتها "التهنئة"؟*
*البيان فيه إيجابيات إدارية لحقوق حضرموت لا خلاف عليها ولن يقلل أحد منها، لكن أهم سلبيات البيان زرع فتيل أزمة جديدة عندما يعلن أن "حضرموت طرف أصيل ومستقل" بند 9، ويشارك "بندية" في الحوار الجنوبي، بينما الحقيقة أنه يمثل مشروع الشرعية اليمنية في الحوار ، وبذلك يفك عملياً فكرة "الجنوب كتلة واحدة" التي قاتل عليها الجنوبيون منذ 1994. كما أنه لم يضع هذه "الندية لحضرموت" في ظل مخرجات الحوار التي شكّلت الجهاز العصبي للبيان*
*ولعل رسالة منع التظاهر وصلت وهذا أول دليل على عدم التنسيق فمنع التظاهر لا يعني طمساً للقضية ولا إلغاء لها بل يكشف حجم التباين الحقيقي داخل حضرموت نفسها*
*البند 9: مشروع مستقل أم ممثل في الحوار الجنوبي وهنا الإشكال الجوهري. البيان يؤكد أن "قضية حضرموت سياسية ومشروع سياسي مستقل" بند 9 وفي نفس الوقت يقرر أن تكون مشاركتها في الحوار الجنوبي "ندية". لكن لم يوضح الندية مع من وهل هي مشروع مستقل مع الشمال ومع الجنوب ان مع الجنوب فقط*
*المنطق يقول: إذا كنت "مشروعاً مستقلاً" فلماذا تدخل في الحوار الجنوبي الذي من المفترض أنه سيخرج برؤية جنوبية واحدة؟*
*وإذا كان لابد من الدخول فيُفترض أن تكون مشاركة حضرموت في الحوار الجنوبي مثلها مثل بقية محافظات الجنوب وبنسبة تمثيل بحسب المساحة والسكان ضمن وفد جنوبي موحد أما أن تدخل "طرفاً مستقلاً" فهذا يعني شرخاً للكتلة الجنوبية قبل أن تبدأ*
*وهنا يظهر تناقض آخر: ندية حضرمية تجاه الجنوب وغير موجودة تجاه الشمال!! فالبيان لم يطالب بندية مع صنعاء ولا مع الشرعية، بل قبل بـ "المركز القانوني للدولة"*
*ملف النفط: لا جديد ورد في البيان فنسبة 20%. فالنسبة معتمدة أصلاً في قرارات مجلس القيادة الرئاسي كل ما فعلوه هو تحويلها من استحقاق إلى ورقة ضغط*
*القضية الجنوبية: من الهوية إلى المطالب الإدارية من حق التنسيقية أن تكون واضحة في أهدافها لكن لا تجعل القضية الجنوبية "بنر لتسويق مشروعها" فتقزّمها من الهوية إلى المطالب الإدارية في الهامش وهنا بيت القصيد فالبيان لم يذكر قضية الجنوب التي تعتبر حضرموت جزءاً أصيلاً منها*.
*والدعوة للحوار الجنوبي برعاية المملكة دليل على وجود قضية للجنوب لكن البيان تجاهلها فأقصى سقف طرحه هو "الفيدرالية القابلة للنقاش" بند 13 القضية التي قامت على دماء وتضحيات وإعلام التضحية اختزلها البيان إلى 3 ملفات: نسبة من النفط، تمثيل في المناصب، وصلاحيات محلية، وتحولت من "قضية هوية" إلى "مذكرة مطالب إدارية"*
*الأخطر: هناك تناقض صريح ففي الوقت الذي أكد البيان على أن حضرموت مشروع سياسي مستقل بند 9، أكد أيضاً على "الحفاظ على المركز القانوني للدولة" بند 18 وهنا يقصد الدولة اليمنية، ويدعم قرارات مجلس القيادة بند 55. أي أنه يولد من رحم الشرعية لا كبديل يواجهها باسم حضرموت. وهذا بالضبط مشروع "الأحزاب اليمنية" في حوار 2013 الذي خرج الجنوبيون ورفضوه في الشارع، وحملوا السلاح وقاوموه في 2015*
*نفهم أن الرياض تبحث عن استقرار وعن شركاء - وهذا حقها - ودعت إلى حوار "لا يستثني أحداً"، لكن البيان أسقطه في أول اختبار فالقضية الجنوبية ليست أشخاصاً ولو كانت كذلك فقد شارك أشخاص باسمها في حوار صنعاء وفشلوا. أما تسويق الحقوق الإدارية لاستبعاد الحقوق السياسية فهي مغالطة لن تلغي الصوت السياسي الجنوبي في حضرموت. وتمرير هذا المجلس كـ "صوت الجنوب" خطأ استراتيجي. لأن هذا ليس صوت الجنوب، هذا صوت نخب جنوبية موجودة أصلاً في سلطة صنعاء منذ 94، ولم تكن جزءاً من القضية بل لم تحرك ساكناً للتعامل مع المظلوميات الحقوقية للجنوب*
*والقضية يجدها من أراد في صوت الشارع الذي خرج من 2007 وقاوم في 2015 إلى اليوم والذي لا يزال يرفع علم الجنوب ، وهي غير موجودة في الـ 56 بنداً. وهذا ينفي مسألة التنسيق العام فلو رفض الانتقالي أو تم استثناؤه من التنسيق فالواجب أن تكون القضية الجنوبية حاضرة بتعريفها وأهدافها لأنها قضية شعب صوته يجلجل في كل الجنوب وفي حضرموت. وفي النهاية، فحامل القضية من يحقق أهدافها لا من يختزلها*
*سؤال أخير مشروع: إذا كان المجلس التنسيقي الحضرمي أكد على أن حضرموت مشروع سياسي مستقل ، فهل يعني أن المجالس التنسيقية المزمع إقامتها في محافظات أخرى ستعلن من خلالها كل محافظة أنها مشروعاً سياسياً مستقلاً؟ إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام تفكيك للجنوب قبل التفاوض*
*من أراد حواراً حقيقياً فعليه أن يسمع لمشروع الجنوب ويضعه في مكانه كما يريده أهله: مشروع استعادة دولة، لا مشروع إعادة توزيع الحصص*
*الخلاصة*
*المجلس التنسيقي نجح في توحيد الإرادة الحضرمية الموجودة أصلاً في السلطة اليمنية منذ 94، لكنه فشل في أن يكون جزءاً من حل للقضية الجنوبية التي لها من الأتباع والأنصار ما يفوق بأضعاف مضاعفة أنصار الإدارة الذاتية*
*حضرموت تستحق أن تُنصف، والجنوب يستحق أن يُحترم والشراكة الوطنية الحقيقية لا تُبنى إلا بالاعتراف بالحقوق كاملة، لا بتجزئتها.*