منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، شكل الشارع الجنوبي أحد أهم مصادر قوته وشرعيته السياسية. فقد أثبتت المليونيات المتعاقبة أن القضية الجنوبية قضية شعب يمتلك وعيًا سياسيًا وإرادة جماهيرية واضحة.
لقد منحت تلك الجماهير المجلس الانتقالي رصيدًا سياسيًا كبيرًا، ورسخت حضوره كطرف أساسي في المشهد الجنوبي واليمني، كما شكلت المليونيات ورقة قوة يمكن توظيفها في مواجهة القوى المناوئة للقضية الجنوبية وفي مخاطبة الأطراف الإقليمية والدولية.
ماذا بعد التفويض الشعبي؟ هل تظل وظيفة الجماهير هي النزول إلى الساحات لتجديد موقفها في كل مرحلة، أم أن مسؤولية القيادة أصبحت اليوم تحويل هذا التفويض إلى نتائج سياسية وقانونية ودبلوماسية تتناسب مع حجم هذا الدعم؟
هنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأصعب. المليونية ليست مجرد مشهد جماهيري كبير ينتهي بانتهاء الفعالية. إنها رسالة سياسية، والتفويض الشعبي الذي تنتجه لا ينبغي أن يبقى مجرد رقم يُضاف إلى أرقام المليونيات السابقة، بل يجب أن يتحول إلى قوة تفاوضية وسياسية ودبلوماسية.
فكلما خرجت الجماهير الجنوبية إلى الساحات، فإنها لا تقول فقط: نحن مع القضية الجنوبية، وإنما تمنح القيادة السياسية مساحة جديدة للعمل، وتضع في الوقت نفسه مسؤولية أكبر على عاتقها.
ومن هنا، فإن نجاح المليونية لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الحضور، وإنما بما ينتج عنها من تحرك سياسي.ما الذي ستفعله القيادة بهذا التفويض؟و كيف ستقدمه وكيف ستنتقل بالقضية الجنوبية من وجودها إلى مرحلة التأثير في مسار الحل السياسي؟
من إدارة الحشود إلى صناعة القرار .لقد أثبت الشارع الجنوبي أنه قادر على صناعة الزخم.لكن الزخم وحده لا يصنع دولة.
الدولة تُبنى بالمؤسسات، والاستراتيجيات، والقانون، والدبلوماسية، والإدارة السياسية الرشيدة. ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا نوعيًا من إدارة الحشود إلى صناعة القرار.
القضية الجنوبية تحتاج إلى منظومة متخصصة للعلاقات الدولية، تعمل بصورة دائمة، وليس فقط عندما تقع أزمة أو تبرز مبادرة سياسية. وتحتاج إلى خبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية والدبلوماسية والإعلام الدولي والدراسات الاستراتيجية، يعملون ضمن مؤسسة واحدة قادرة على إعداد الملفات القانونية والسياسية، وصياغة المذكرات، وبناء العلاقات مع مراكز الدراسات والجامعات والبرلمانات والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام المؤثرة.
فالمجتمع الدولي لا يتعامل مع الشعارات وحدها، وإنما مع المؤسسات، والوثائق، والحجج القانونية، والمصالح، والقدرة على التواصل والتأثير.
المليونية التي شهدتها عدن تحمل رسالتين واضحتين : الأولى إلى الخارج: أن القضية الجنوبية ما زالت حية، وأن مطالب شعب الجنوب لم تتراجع، وأن أي تسوية سياسية مستقبلية تتجاهل الإرادة الجنوبية لن تكون قادرة على إنتاج سلام مستدام…أما الرسالة الثانية، وربما الأكثر أهمية، فهي إلى القيادة الجنوبية نفسها: لقد منحناكم التفويض الشعبي… فماذا بعد؟ وهنا تتحول المليونية من مجرد مليونية تفويض إلى مليونية مساءلة. والمساءلة هنا لا تعني التشكيك في القيادة أو إسقاط شرعيتها، وإنما تعني مطالبتها بتحويل الثقة الشعبية إلى إنجازات ملموسة.
لم يعد السؤال الأهم:كم شخصًا شارك في المليونية؟ بل كيف سيتم توظيفها سياسيًا؟ كيف ستصل رسالتها إلى العواصم المؤثرة؟ كيف سيتم تقديم القضية الجنوبية بلغة سياسية وقانونية يفهمها المجتمع الدولي؟ وكيف يمكن تحويل التأييد الشعبي إلى اعتراف سياسي وقانوني متدرج بحقوق شعب الجنوب؟
هذه الأسئلة لا تضعف المجلس الانتقالي. على العكس، إنها قد تكون مدخلًا حقيقيًا إلى تقوية أدائه وإعادة بناء أ
هناك تعقيدات إقليمية، وحسابات دولية، ومصالح متشابكة، وتوازنات جيوسياسية، ومواقف دولية تتغير باستمرار.
وهذه البيئة لا يمكن التعامل معها بمنطق ردود الأفعال. إنها تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى، وإلى قراءة دقيقة للتحولات قبل وقوعها، وإلى مبادرة سياسية ودبلوماسية مستمرة.
قد يختلف البعض معي، وقد يرى آخرون أن بعض مقالاتي قاسية.
وهذا حقهم…لكنني أقول لمن يرى في نقدي للمجلس الانتقالي استهدافًا له: أنا لا أكتب ضد المجلس الانتقالي… وإنما أكتب من أجل أن يكون أقوى. ..لا أبحث عن أخطائه لأهاجمه، ولا أكتب لإرضاء خصومه، ولا أملك ترف الصمت عندما أرى أن هناك خللًا يمكن تصحيحه…فالسكوت عن الأخطاء ليس دائمًا موقفًا وطنيًا.
وأحيانًا يكون الصمت هو الموقف الأكثر ضررًا.
القضايا الوطنية الكبرى تحتاج إلى نقد ذاتي شجاع، وإلى مراجعة مستمرة، وإلى قدرة على الاعتراف بالقصور وتصحيح المسار
فالمؤسسة القوية ليست المؤسسة التي لا تُنتقد، وإنما المؤسسة التي تستطيع أن تستمع إلى النقد، وأن تميز بين النقد الهدام والنقد المسؤول، وأن تحول الملاحظات إلى إصلاحات.
ولهذا فإن الحرص على المجلس الانتقالي لا يعني الدفاع عن كل قرار يصدر عنه، وإنما يعني الحرص على أن تظل هذه المؤسسة قادرة على أداء الدور الذي ينتظره منها قطاع واسع من أبناء الجنوب.
ومن يحب الجنوب فعلًا، عليه أن يكون قادرًا على مراجعة كل شيء عندما تكون المراجعة في مصلحة الجنوب.
لقد قدم الشارع الجنوبي ما يستطيع تقديمه.خرج إلى الساحات.رفع صوته.أكد هويته.
وجدد تفويضه.والآن تقع مسؤولية أكبر على القيادة السياسية…مسؤولية تحويل هذا التفويض إلى مشروع سياسي قابل للتقديم أمام العالم.إلى ملف قانوني متكامل.إلى خطاب دبلوماسي محترف.إلى شبكة علاقات دولية.إلى استراتيجية إعلامية خارجية.وإلى رؤية سياسية واضحة للمرحلة القادمة.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من إثبات أن الجنوب موجود.الجنوب أثبت وجوده.
ما يحتاجه الآن هو أن يتحول هذا الوجود إلى تأثير، وهذا التأييد إلى نفوذ، وهذا التفويض إلى إنجاز.
أنا لا أقسو على المجلس الانتقالي الجنوبي…بل أخاف عليه.أخاف عليه من أخطاء يمكن تصحيحها اليوم، لكنها قد تصبح غدًا أزمات يصعب علاجها.
وأخاف على القضية الجنوبية من أن تضيع فرص بسبب ضعف الأدوات أو غياب المؤسسات أو تأخر المبادرة.إن نقدي ليس تخليًا عن المجلس، ولا تراجعًا عن القضية.إنه دعوة إلى أن يكون المجلس أكثر قوة، وأكثر مؤسسية، وأكثر قدرة على تحويل الإرادة الشعبية إلى مشروع سياسي قادر على الوصول إلى الهدف.
فالنقد الذي يأتي من الخصومة يريد إسقاطك…أما النقد الذي يأتي من الخوف عليك، فيريد أن يراك أقوى.