آخر تحديث :السبت - 05 سبتمبر 2026 - 01:28 م

الصحافة اليوم


إنتقال المواجهة من إدارة الصراع إلى اختبار القدرة على تغيير قواعده

السبت - 05 سبتمبر 2026 - 12:55 م بتوقيت عدن

إنتقال المواجهة من إدارة الصراع إلى اختبار القدرة على تغيير قواعده

العرب

اليمن: حرب الحواف وإعادة تشكيل ميزان الردع

عبدالكريم سليم…

السبت 2026/09/05



البحر يدخل بصورة أكبر في الحسابات

لم يعد التصعيد الذي اندلع في الساحل الغربي اليمني مجرد جولة جديدة في حرب لم تتوقف فعلياً، كما أنه لا يبدو مجرد محاولة لتحسين المواقع على خطوط تماس ظلت جامدة لسنوات. ما يجري في غرب تعز والحديدة ومحيط المخا يكشف تحولاً أعمق: «المنطقة الرمادية» التي سمحت لليمن بالبقاء طويلاً بين الحرب والتسوية بدأت تضيق، ومعها تنتقل المواجهة من إدارة الصراع إلى اختبار القدرة على تغيير قواعده.


فإطلاق 14 صاروخاً باليستياً وهجمات المسيرات، وعودة الاشتباكات في الكدحة ومقبنة وموزع، ووصول التعزيزات الحكومية، ثم محاولة استهداف ميناء المخا بزورق مفخخ، ليست أحداثاً منفصلة. إنها نمط واحد يعيد ربط الجبهة البرية بالساحل والميناء والممر البحري، ويجعل الجغرافيا أداة لإعادة تشكيل ميزان الردع.


وهنا تحديداً يصبح التصعيد الحالي امتداداً للمسار الذي حكم اليمن خلال الأشهر الماضية. فـ«معادلة الصفر» التي جعلت أي تقدم لطرف تهديداً وجودياً للطرف الآخر، ثم محاولة الانتقال إلى «الردع المتكامل» التي سعت إلى نقل المواجهة من الاحتواء إلى فرض الكلفة، تصطدم الآن باختبارها الحقيقي: هل يمكن تحويل الردع من مفهوم سياسي وعسكري إلى واقع جغرافي يغيّر حسابات الخصم؟


وتكتسب المنطقة حساسيتها من كونها حلقة الوصل بين الداخل والبحر الأحمر؛ فغرب تعز يفتح على المخا القريبة من باب المندب، والحديدة تربط الصراع الداخلي بأمن الملاحة، ما يجعل المعركة صراعاً على مسارات الحركة والإمداد والضغط البحري.


◄ المعركة تتجاوز خطوط التماس التقليدية لتصبح صراعًا على الموانئ والممرات البحرية وشبكات الإمداد حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان الردع


ومن هذه الزاوية، يمكن فهم ما يسمى «حرب الحواف» باعتبارها صراعاً على العمق أكثر من كونها صراعاً على الخطوط الأمامية. فالطرف الذي يستطيع دفع خصمه إلى توزيع قواته لحماية الموانئ والطرق والمواقع الساحلية، أو إجباره على استنزاف قدراته في الدفاع عن أكثر من محور، يستطيع أن يغيّر ميزان القوة حتى من دون تحقيق اختراق جغرافي كبير.


ومن هنا ينبغي قراءة انتقال التهديد إلى البحر. ففي أواخر آب/أغسطس أحبطت القوات البحرية هجوماً بخمسة زوارق حوثية وأسقطت مسيرة استطلاعية، بعد ضبط شحنة معدات مسيّرات متجهة إلى الجماعة. وفي الثالث من سبتمبر دمرت المقاومة الوطنية زورقاً مفخخاً حاول استهداف ميناء المخا.


إنها تتحول تدريجياً إلى صراع على «سلسلة الحرب» نفسها: مصدر السلاح، ومسارات التهريب، والموانئ، ووسائل الاستطلاع، والمنصات الهجومية، ثم الجبهة التي يُراد استخدامها لترجمة كل ذلك إلى ضغط ميداني. وإذا صحت هذه القراءة، فإن استهداف حلقات السلسلة قبل وصولها إلى الجبهة قد يصبح أكثر أهمية من مطاردة نتائجها بعد وقوع الهجوم.


وهنا تكمن نقطة التحول الحساسة للحوثيين. فالجماعة بنت منظومة حرب تعتمد على الجغرافيا الوعرة والشبكات المحلية والصواريخ والمسيرات ومسارات الإمداد غير التقليدية. لكن كلما صارت هذه الشبكات نفسها هدفاً للردع، ضاقت قدرتها على تحويل النار إلى نفوذ سياسي. ولا يعني ذلك أن كثافة هجماتها الحالية دليل على تراجعها؛ فقد تكون محاولة لتشتيت القوات الحكومية أو استنزافها أو إعادة توزيع الضغط قبل أن يستعيد الطرف الآخر المبادرة.


لكن في المقابل، فإن قدرة الحكومة والقوى المتحالفة معها على نقل المعركة من الدفاع عن المواقع إلى حماية «البيئة التشغيلية» التي تسمح للحوثيين بالهجوم تمثل تغيراً مهماً في طبيعة الردع. فإحباط عمليات بحرية، وتعزيز الدفاعات الجوية، ومراقبة المنافذ، وملاحقة شبكات التهريب، بالتوازي مع دعم الجبهات البرية، يعني أن الردع بدأ يقترب من البنية التي تنتج الهجوم، لا من الهجوم وحده.


وهذه هي النقطة التي يمكن أن تحدد مستقبل المرحلة المقبلة. فإذا بقي الرد الحكومي محصوراً في استعادة موقع بعد خسارته أو إسقاط مسيّرة بعد إطلاقها، فإن المعادلة القديمة ستعود بأشكال جديدة. أما إذا أصبح الهدف هو حرمان الخصم من القدرة على إعادة إنتاج الهجوم، فإن «الردع المتكامل» يبدأ فعلاً في التحول إلى معادلة مختلفة.


غير أن هذا التحول يواجه مشكلة لا تقل خطورة عن الحوثيين: تشتت مراكز القرار داخل المعسكر المناهض للجماعة. فالقوة العسكرية لا تتحول إلى نفوذ سياسي ولا إلى مشروع دولة ما لم يُوحَّد القرار، وتُحمَى المناطق المحررة، وتُدار الموانئ، ويُمنَع تحول كل انتصار إلى ساحة تنافس داخلي. واختبار الشرعية الحقيقي ليس فقط دفع الحوثيين إلى الخلف، بل تحويل أي تغير في ميزان القوة إلى مؤسسات وسيادة وقرار مركزي.


وهنا تدخل العواصم الإقليمية والدولية إلى المشهد من دون أن تكون بالضرورة صاحبة القرار المباشر فيه. فطهران تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم ورقة ضغط تمنحها قدرة على التأثير في البحر الأحمر ومحيط الجزيرة العربية، بينما تنظر القوى الإقليمية المعنية بأمن الملاحة إلى الساحل الغربي باعتباره خطاً لا يمكن السماح بتحوله إلى منصة تهديد دائمة. أما القوى الدولية، فإن مصلحتها الأساسية ليست في انتصار طرف يمني على آخر بقدر ما هي في منع تحول باب المندب إلى مساحة ابتزاز مستدامة للتجارة والطاقة والملاحة.


◄ نجاح الحكومة في استهداف البيئة التشغيلية للحوثيين من شبكات التهريب إلى المنافذ البحرية قد يحول الردع المتكامل إلى معادلة جديدة أكثر فاعلية


إذ يصبح اليمن أمام مفارقة جديدة: كلما ارتفعت القيمة الجيوسياسية للساحل الغربي، زادت أهمية استعادة الدولة فيه، لكن كلما ارتفعت أهميته أيضاً، زادت شهية القوى الخارجية لاستخدامه كورقة نفوذ. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط لمن يسيطر على المخا أو يضغط باتجاه باب المندب، وإنما لمن يستطيع أن يمنع الجغرافيا اليمنية من التحول مرة أخرى إلى أداة في صراع الآخرين.


إن ما يجري في الساحل الغربي لا يعني بالضرورة أن الحرب الشاملة عادت، ولا يعني أن انهيار الحوثيين أصبح قريباً. لكنه يعني شيئاً أكثر أهمية: أن الصيغة التي أبقت اليمن سنوات في حالة «لا حرب ولا سلام» لم تعد مستقرة كما كانت. فالجبهات تتحرك، والبحر يدخل بصورة أكبر في الحسابات، والأسلحة بعيدة المدى تتداخل مع القتال البري، وشبكات الإمداد نفسها أصبحت جزءاً من المعركة.


ومن هنا فإن السؤال القادم لن يكون: هل يربح الحوثيون جولة جديدة أم تستعيد القوات الحكومية موقعاً آخر؟ السؤال الأهم هو: هل يستطيع أحد الطرفين تغيير قواعد اللعبة بحيث يصبح استمرار المعادلة القديمة أكثر كلفة من التخلي عنها؟


إذا نجحت الحكومة والقوى المتحالفة معها في تحويل الساحل الغربي إلى منظومة ردع متكاملة، تربط الأرض بالبحر والموانئ بالمنافذ والدفاع بالضغط على شبكات الإمداد، فقد يبدأ اليمن فعلاً بالخروج من منطق إدارة الأزمة إلى إعادة تشكيل ميزان القوة. أما إذا بقيت المواجهة مجرد تبادل للضربات واستعادة للمواقع، فإن «المنطقة الرمادية» لن تسقط، بل ستعود في صورة أكثر عنفاً.


وهنا تكمن خطورة الساحل الغربي: ليس لأنه قد يكون جبهة حرب جديدة فحسب، بل لأنه قد يصبح المكان الذي يُحسم فيه ما إذا كان اليمن سيبقى ساحة لتوازنات الآخرين، أم يبدأ أخيراً في إنتاج توازناته بنفسه.


فالمسألة لم تعد من يملك الصاروخ الأطول مدى، بل من يستطيع تحويل الجغرافيا إلى سيادة، والقوة إلى ردع، والردع إلى تسوية لا تعيد إنتاج الحرب نفسها.