آخر تحديث :الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - 08:10 م

اخبار وتقارير


باب المندب ومستقبل القضية الجنوبية(فخ الاستدراج الاستراتيجي)

الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - 07:47 م بتوقيت عدن

باب المندب ومستقبل القضية الجنوبية(فخ الاستدراج الاستراتيجي)

عدن / خاص

​قدم مركز مدار قراءة استراتيجية في المشهد السياسي والعسكري الراهن

وكشف عن استخدام أدوات الصراع عبر "توظيف الجغرافيا والقدرة العسكرية الجنوبية كخدمة أمنية لحسابات إقليمية ودولية دون مقابل سياسي ملموس.


نص التحليل:


​باب المندب ومستقبل القضية الجنوبية(فخ الاستدراج الاستراتيجي)


​إن إعادة قراءة التطورات الأخيرة بعمق تُفصح عن فرضية خطيرة تتلخص في إمكانية جر الجنوب إلى الحرب مجدداً؛ بهدف استنزاف ثقله العسكري في حماية الممرات الدولية وصد التمدد الحوثي، ثم تجريد القوى الجنوبية لاحقاً من ثمار هذا القتال فور التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

​هذا المشهد المتشابك يستدعي تفكيكاً دقيقاً لأبعاد الأحداث ورسم جغرافيا المواجهة عبر التساؤلات التالية:

​غموض التحركات الساحلية: كيف تُسرَّع التحولات أو يُسلَّم الموقف في مناطق استراتيجية كالمخا دون مقاومة تُذكر؟ ولماذا يتراجع التدخل الجوي للتحالف العربي—ولا سيما المملكة العربية السعودية—عن كبح تقدم الحوثيين، وهو التحالف الذي أعلن عام 2015 أن أولوية عاصفة الحزم هي منع التمدد الحوثي نحو البحر الأحمر؟

​التناقض في الخطاب السياسي:

ما الأبعاد الحقيقية لحديث رئيس مجلس القيادة الرئاسي عن أن "حماية السواحل اليمنية مسؤولية دولية وإقليمية ومحلية مشتركة"، في الوقت الذي صرّح فيه قبلها بأيام بأن قرار حسم المعركة نحو صنعاء قد اتُخذ؟


​إن "المخا" لم تكن يوماً مجرد نقطة تماس عسكري، بل هي الستار التكتيكي للسر الأكبر: "باب المندب". وتحريك الجبهات نحو هذه الساحات لا يستهدف بالضرورة حسم الصراع في الشمال، بقدر ما يسعى إلى إزاحة ثقل المعركة جنوباً، ليصبح الشريط الساحلي الجنوبي هو مسرح المواجهة ومستقر التهديدات.

​هنا تبرز خطورة اللعبة الاستراتيجية؛ فالتهديد الحوثي للملاحة الدولية يفرض على الجنوبيين واقعاً لا مفر منه، بصفتهم خط الدفاع الأول عن جغرافيتهم وممراتهم. لكن الخطر الأكبر لا يكمن في كلفة القتال الميداني، بل في التوظيف السياسي لنتائجه؛ حيث تُصاغ معادلة مجحفة تقوم على استدعاء الفاعل الجنوبي عند خوض الحروب الشاقة، وتغييبه كلياً عندما تُطرح استحقاقات السلام وتُرسم الخريطة السياسية النهائية.

​وعليه، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي سياسي ووقائي تفرض طرح أسئلة استباقية حاسمة:

​هل الدفع بمركز الثقل العسكري نحو باب المندب يخدم المصالح الوطنية الجنوبية، أم هو استدراج ليكون الجنوب مجرد جدار صد أمني لحماية خواصر الآخرين؟

​كيف يمكن تحويل المشاركة العسكرية الجنوبية من مجرد "وظيفة أمنية" لحماية الممرات إلى ورقة ضغط سياسية مجدية تضمن تثبيت حق تقرير المصير وصياغة مستقبل المنطقة؟

​إن القتال دون استراتيجية سياسية واضحة تحمي المكاسب الميدانية يرتد حتماً إلى خسارة على طاولة التفاوض. فمضيق باب المندب ليس مجرد ممر تجاري، بل هو الأداة الجيوسياسية الأهم؛ ومن يملك السيطرة عليه ميدانياً، يجب أن يملك الحصة الأكبر في تشكيل معادلة المستقبل.

مركز مدار للدراسات والبحوث.

عدن/١١سبتمبر ٢٠٢٦م