آخر تحديث :السبت - 12 سبتمبر 2026 - 03:47 م

اخبار وتقارير


بين مقاومة الحوثي واستعادة القرار الجنوبي: ماذا يُنتظر من المجلس الانتقالي؟

السبت - 12 سبتمبر 2026 - 03:06 م بتوقيت عدن

بين مقاومة الحوثي واستعادة القرار الجنوبي: ماذا يُنتظر من المجلس الانتقالي؟

د.توفيق جزوليت

قد يدور في ذهن المواطن الجنوبي، أو في ذهن المقاتل الذي يقف اليوم في مواجهة الحوثيين، سؤال بالغ الصعوبة: ما جدوى استمرار المقاومة والتضحيات في الجنوب، إذا كان القرار السياسي النهائي لا يزال خارج الإرادة الجنوبية؟


هذا السؤال مشروع تفرضه طبيعة الحرب وتضحيات الجنوبيين، خصوصًا عندما يشعر المواطن بأن من يقاتل الحوثي على الأرض ليس بالضرورة هو من يملك القرار في تحديد مستقبل الجنوب أو شكل الدولة التي يريدها.


فالجنوبي اليوم يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في مواجهة الحوثي ضمن معادلة سياسية قد لا تضمن له حقوقه وتطلعاته الوطنية، وإما التراجع عن المواجهة، بما قد يفتح الطريق أمام الحوثيين ويهدد الجنوب والمنطقة برمتها.


وبين هذين الخيارين تبرز مسؤولية المجلس الانتقالي الجنوبي بصورة أكبر من أي وقت مضى. لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوات الجنوبية المرتبطة بالمجلس الانتقالي لم تكن بعيدة عن المواجهة العسكرية مع الحوثيين، بل تحملت أعباء كبيرة في الدفاع عن الجنوب ومناطقه، وقدمت تضحيات بشرية وعسكرية لا يمكن تجاهلها. ومن ثم، فإن السؤال اليوم ليس: هل يقاتل الجنوبيون الحوثي؟ فهذا أمر أثبتته الوقائع والتضحيات. السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحصل عليه الجنوب سياسيًا مقابل هذه التضحيات؟


فإذا كان الجنوب يتحمل جزءًا كبيرًا من أعباء الحرب، وإذا كانت قواته تشكل عنصرًا مهمًا في مواجهة الحوثيين وحماية المناطق الجنوبية، فمن الطبيعي أن يكون له في المقابل حضور حقيقي في تحديد مستقبل اليمن، وألا يُطلب منه أن يكون قوة مقاتلة في الميدان ثم يُستبعد عندما تنتقل المعركة إلى طاولة السياسة.


إن الخطر الحقيقي اليوم لا يتمثل في الحوثي وحده، وإنما أيضًا في أن يتحول الجنوبي إلى قوة عسكرية بلا مشروع سياسي يوازي تضحياته. ولهذا فإن استمرار الحرب يجب ألا يؤدي إلى تأجيل القضية الجنوبية إلى أجل غير مسمى، بل ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة تعريف موقع الجنوب في المعادلة اليمنية والإقليمية.


وًهنا تبرز مسؤولية السعودية أيضًا. فإذا كان الهدف هو مواجهة الحوثيين وإضعاف قدرتهم على تهديد اليمن والمنطقة والممرات البحرية، فإن إضعاف القوى الجنوبية التي خاضت قتالًا مباشرًا ضد الحوثيين يطرح تساؤلًا استراتيجيًا مشروعًا حول جدوى هذه السياسة.


لقد أثبتت التجربة أن الجنوب ليس هامشًا في المعادلة اليمنية؛ فهو جغرافيا استراتيجية، وقوة عسكرية، وقضية سياسية، وموقع متقدم على البحر العربي وخليج عدن وباب المندب. ومن ثم، فإن إضعاف الجنوب لا يعني بالضرورة إضعاف المجلس الانتقالي وحده، وإنما قد تكون له انعكاسات مباشرة على توازن القوى في مواجهة الحوثيين.


كما أن الوعود المتعلقة بالحوار حول القضية الجنوبية لا يمكن أن تظل مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالثقة السياسية لا تُبنى بالوعود، وإنما بخطوات واضحة وجداول زمنية ومسارات تفاوضية حقيقية.

أما تجاهل القضية الجنوبية، فلن يؤدي إلى اختفائها. بل إن أي تسوية يمنية لا تأخذها بجدية قد تؤجل الصراع بدل أن تنهيه.


المطلوب من المجلس الانتقالي في هذه المرحلة ليس الانسحاب من مواجهة الحوثيين، وليس الدخول في مواجهة مع حلفائه الإقليميين، وإنما إعادة تعريف قواعد العلاقة السياسية والعسكرية.


يجب أن يعلن بوضوح أن مشاركة القوات الجنوبية في مواجهة الحوثيين لا تعني التخلي عن القضية الجنوبية، ولا تعني تفويض أي طرف بتحديد مستقبل الجنوب نيابة عن أبنائه. ..كما ينبغي أن يطالب المجلس بأن تكون القضية الجنوبية حاضرة بصورة مستقلة وواضحة في أي ترتيبات سياسية قادمة، وألا تختزل القضية في إطار الصراع بين الحوثيين وما يسمى بالشرعية. ..و الأهم من هذا و ذاك يجب الانتقال من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها إلى بناء مؤسسات سياسية ودبلوماسية وقانونية وإعلامية محترفة تستطيع مخاطبة المجتمع الدولي بلغة القانون الدولي والمصالح الاستراتيجية والأمن الإقليمي.


فالمعركة لم تعد عسكرية فقط. هناك معركة أخرى تجري في العواصم الدولية، وفي الأمم المتحدة، وفي مراكز القرار حول سؤال أساسي: من يمثل الجنوب؟ وما الحل السياسي القادر فعلًا على تحقيق الاستقرار الدائم في اليمن


يجب أن يتحول الدور العسكري للقوات الجنوبية إلى رصيد سياسي ودبلوماسي. فالتضحيات التي يقدمها الجنوبيون يجب ألا تبقى مجرد أرقام في سجل الحرب، وإنما ينبغي أن تتحول إلى حجة سياسية وقانونية تؤكد أن الجنوب طرف أساسي في صناعة السلام، وليس مجرد قوة تستخدم عند الحاجة.


بين مقاومة الحوثي واستعادة الدولة

إذن لا انسحاب من مواجهة الحوثي، ولا تنازل عن القضية الجنوبية، ولا استمرار في دفع الثمن العسكري من دون مقابل سياسي واضح…فمقاومة الحوثي ضرورة لحماية الجنوب والمنطقة، لكن تحويل هذه المقاومة إلى مشروع سياسي جنوبي هو مسؤولية تاريخية.


والمرحلة الراهنة، رغم خطورتها، قد تكون أيضًا فرصة. فالحرب أثبتت أن الجنوب يمتلك قوة عسكرية ووزنًا جغرافيًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله. وما ينبغي أن تثبته المرحلة القادمة هو أن القضية الجنوبية لا يمكن تجاوزها سياسيًا كما لا يمكن تجاوز الجنوب عسكريًا.


وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية المجلس الانتقالي: أن يحافظ على القوة العسكرية التي بناها الجنوب، وأن يعيد بناء الثقة داخليًا، وأن يفتح قنوات أوسع مع المجتمع الدولي، وأن يطور جهازه السياسي والدبلوماسي والقانوني، وأن يحول التضحيات التي قدمها الجنوبيون خلال سنوات الحرب إلى مكاسب سياسية وقانونية ودبلوماسية تضع استعادة الدولة الجنوبية في قلب أي تسوية قادمة.


فالجنوب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى ضمانات سياسية واضحة، وشراكة حقيقية في القرار، ومسار جدي لمعالجة قضيته.


وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه أمام الجميع، في الجنوب وفي الإقليم وفي المجتمع الدولي، ليس فقط: كيف نهزم الحوثي؟ بل أيضًا:ماذا سيكون مصير الجنوب بعد هزيمة الحوثي؟ ومن يملك حق تحديد هذا المصير؟


إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت تضحيات الجنوبيين قد تحولت إلى طريق نحو السلام واستعادة الدولة، أم بقيت مجرد تضحيات في حرب طويلة لا يعرف الجنوب كيف ستكون نهايتها.